ثانيها: أن هلاك الذكور يقتضى فساد مصالح النساء في المعيشة، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال ..
ثالثها: أن قتل الذكور عقب الحمل الطويل، وتحمل الكد، والرجاء القوى في الانتفاع به، من أعظم العذاب ..
رابعها: أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان.
قالوا: وإنما كان فرعون يذبح الذكور من بني إسرائيل دون الإناث، لأن الكهنة أخبروه، بأن مولودا سيولد من بني إسرائيل، يكون ذهاب ملك فرعون على يده.
وقوله - سبحانه -: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ تعليل وتأكيد لما كان عليه فرعون من تجبر وطغيان.
أي: إن فرعون كان من الراسخين في الفساد والإفساد، ولذلك فعل ما فعل من ظلم لغيره، ومن تطاول جعله يقول للناس: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى.
ثم بين - سبحانه - ما اقتضته إرادته وحكمته، من تنفيذ وعيده في القوم الظالمين، مهما احتاطوا وحذروا، ومن إنقاذه للمظلومين بعد أن أصابهم من الظلم ما أصابهم فقال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ.
وقوله نَمُنَّ من المن بمعنى التفضل، ومنه قوله - تعالى -: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ... أي: لقد تفضل عليهم، وأحسن إليهم.
وقوله: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ من التمكين، وأصله: أن نجعل للشيء مكانا يستقر فيه، ويحل به. ثم استعير للتسليط وللحصول على القوة بعد الضعف، وللعز بعد الذل.
وقوله: يَحْذَرُونَ من الحذر، بمعنى الاحتراس والاحتراز من الوقوع في الأمر المخيف. يقال: حذر فلان فلانا، إذا خافه واحترس منه.
قال الشوكاني: والواو، في قوله وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ للعطف على جملة، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ لأن بينهما تناسبا من حيث إن كل واحدة منهما، للتفسير والبيان للنبأ.