ثم خوفهم فقال: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ(208) ذِكْرَى ...)
يقول: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ) إهلاك استئصال وانتقام، إلا بعد الإنذار وإقامة الحجة والبيان.
(ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ(209) . أي: موعظة وزجرا عما هم فيه.
أو (ذِكْرَى) بذكر ما لهم وما عليهم وما لبعضهم على بعض.
وقوله: (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) : في تعذيبهم، أي: لم نعذبهم بلا ذنب ولا جرم، ولكن بعنادهم ومكابرتهم؛ لأن العذاب في الدنيا لا يكون لنفس الكفر ولكن لعناد ومكابرة، وإنَّمَا عذاب الكفر في الآخرة؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) . أي: ما كنا معذبين في الدنيا تعذيب انتقام حتى نبعث رسولا، فيظهر منهم العناد والمكابرة، فعند ذلك يعذبهم اللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) . أي: ما كنا نعذبهم إلا من بعد البيان والحجة وقطع العذر، واللَّه أعلم.
وفي مصحف أبي: (وما أهلكنا من قرية إلا بذنوب أهلها) .
وقوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ(210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: ما تنزلت بالقرآن الشياطين، فذلك جواب لقول أهل مكة: إن محمدا كاهن معه رئيٌّ يأتيه بما يقول يعنون بالرئي: الشيطان، وكانت الشياطين من قبل يقعدون من السماء مقاعد يستمعون فيها الوحي من الملائكة، فينزلون به على الكهان فمن بين مصيب ومخطيء، فقالوا: محمد كذلك، فأكذبهم اللَّه في مقالتهم تلك، فقال: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ) . أي: بالقرآن(الشَّيَاطِينُ.
وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ)أن ينزلوا بالقرآن (وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) ، أي: قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب، وأخبر أنهم عن السمع لمعزولون.
وفي قوله: (وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ(212)