وقوله: (فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(202) . أي: يأتيهم العذاب فجأة وهم لا يشعرون؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أبدًا، أنزل بهم العذاب بغتة، ولو علم منهم أنهم يؤمنون حقيقة عند معاينة العذاب؛ لأنزل عليهم العذاب معاينة مجاهرة؛ ليؤمنوا فيقبل منهم ذلك ويدفع العذاب عنهم، كما قبل إيمان قوم يونس حيث قال: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...) ، قبل منهم الإيمان عند معاينتهم العذاب؛ لما علم منهم أنهم يحققون الإيمان في ذلك،
وأما من كان همهم المعاندة والمكابرة فهم لا يحققون الإيمان.
وقوله: (فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ(203)
لا يزالون يطلبون الرجعة إلى الدنيا، وتأخير العذاب عن أنفسهم إذا نزل بهم؛ كقولهم: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) ؛ وكقوله: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ) ، فيتمنون الرجوع والنظرة، لكن لا يجابون.
وقوله: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ(204) هو كقولهم: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) ، وقولهم: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً) ، ومثله، وإلا ليس هذا في الظاهر جوابًا لقوله: (فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ) وجواب هذا - واللَّه أعلم - قوله: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ...): يقول: ما يغني تأخير العذاب عنهم، وإمهالهم عنه وقتا يمتعون فيه - من عذاب اللَّه من شيء؛ لا ينفعهم ذلك.
أو أن يكونوا سألوا العذاب في الظاهر واستمهلوه في الحقيقة، فخرج قوله: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ...) الآية جوابًا لاستمهالهم.
أو أن يكون بعضهم استعجل العذاب واستمهل غيرهم، فخرج هذا جواب من استمهل.