77 -ولما شرح صفات المتقين وأثنى عليهم .. أمر رسوله أن يقول لهم بقوله: {قُلْ} يا محمد للناس كافة {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} و {ما} : إما استفهامية محلها النصب على المصدر؛ أي: ما يصنع بأجسامكم، وما يفعل بصوركم ربي، أو أي وزن ومقدار لكم عنده {لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} ؛ أي: لولا عبادتكم إياه، كقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } . وقيل: لولا إيمانكم. وقيل: لولا دعاؤه إياكم إلى الإيمان, فإذا آمنتم ظهر لكم عنده قدر، وإما نافية؛ أي: لا يبالي بكم ربي لولا دعاؤكم واستغاثتكم إياه في الشدائد، فقوله: {لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} بيان لحال المؤمنين، وجواب {لَوْلَا} معلوم مما قبله، تقديره: لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم. والمعنى على الاستفهامية: أي عبء يعبأ بكم ربي، وأي مبالاة يبالي بكم ربي، وأي اعتبار يعتبركم ربي، وأي اعتناء يعتني بشأنكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم له تعالى؟ فإن شرف الإنسان وكرامته عند الله تعالى بالمعرفة والطاعة، وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء، هذا وفي الآية معان أخر، والأظهر عند المحققين ما ذكرناه.
وقوله: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} بيان لحال الكفرة من الناس؛ أي: فقد كذبتم أيها الكفرة بما أخبرتكم به حيث خالفتموه وخرجتم عن أن يكون لكم عند الله اعتناء بشأنكم واعتبار، أو وزن ومقدار {فَسَوْفَ يَكُونُ} جزاء تكذبيكم {لِزَامًا} ؛ أي: لازمًا لكم يحيق بكم لا محالة، حتى يكبكم في النار؛ أي: يصرعكم على وجوهكم في النار، كما يعرف عنه الفاء الدالة على لزوم ما بعدها لما قبلها،
وإنما أضمر اسم {يَكُونُ} من غير ذكر للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره، للتنبيه على أنه مما لا يكتنهه الوصف والبيان، وعن بعضهم: أن المراد بالجزاء جزاء الدنيا، وهو ما وقع يوم بدر، قتل منهم سبعون، وأسر منهم سبعون، ثم اتصل به عذاب الآخرة لازمًا لهم.