ثم يفتح باب التوبة لمن أراد أن ينجو من هذا المصير المسيء بالتوبة والإيمان الصحيح والعمل الصالح: {إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} ويعد التائبين المؤمنين العاملين أن يبدل ما عملوه من سيئات قبل التوبة حسنات بعدها تضاف إلى حسناتهم الجديدة: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} .
وهو فيض من عطاء الله لا مقابل له من عمل العبد إلا أنه اهتدى ورجع عن الضلال ، وثاب إلى حمى الله ، ولاذ به بعد الشرود والمتاهة. {وكان الله غفوراً رحيماً} ..
وباب التوبة دائماً مفتوح ، يدخل منه كل من استيقظ ضميره ، وأراد العودة والمآب. لا يصد عنه قاصد ، ولا يغلق في وجه لاجئ ، أياً كان ، وأياً ما ارتكب من الآثام.
روى الطبراني من حديث أبي المغيرة عن صفوان بن عمر عن عبد الرحمن بن جبير"عن أبي فروة ، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة ، فهل له من توبة؟ فقال:"أسلمت؟"فقال: نعم. قال:"فافعل الخيرات واترك السيئات ، فيجعلها الله لك خيرات كلها"قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال:"نعم". فما زال يكبر حتى توارى".
ويضع قاعدة التوبة وشرطها: {ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً} .. فالتوبة تبدأ بالندم والإقلاع عن المعصية ، وتنتهي بالعمل الصالح الذي يثبت أن التوبة صحيحة وأنها جدية. وهو في الوقت ذاته ينشئ التعويض الإيجابي في النفس للإقلاع عن المعصية. فالمعصية عمل وحركة ، يجب ملء فراغه بعمل مضاد وحركة ، وإلا حنت النفس إلى الخطيئة بتأثير الفراغ الذي تحسه بعد الإقلاع. وهذه لمحة في منهج التربية القرآني عجيبة ، تقوم على خبرة بالنفس الإنسانية عميقة. ومن أخبر من الخالق بما خلق؟ سبحانه وتعالى!
وبعد هذا البيان المعترض يعود إلى سمات {عباد الرحمن} :
{والذين لا يشهدون الزور ، وإذا مروا باللغو مروا كراماً} ..