ويرتعش تعبيرهم وهم يتضرعون إلى ربهم خوفاً وفزعاً: {إِن عذابها كان غراماً} : أي ملازماً لا يتحول عن صاحبه ولا يفارقه ولا يقيله ؛ فهذا ما يجعله مروعاً مخيفاً شنيعاً.. {إِنها ساءت مستقراً ومقاماً} وهل أسوأ من جهنم مكاناً يستقر فيه الإنسان ويقيم. وأين الاستقرار وهي النار؟ وأين المقام وهو التقلب على اللظى ليل نهار!
وهم في حياتهم نموذج القصد والاعتدال والتوازن:
{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ، وكان بين ذلك قواماً} ..
وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات ؛ ويتجه إليها في التربية والتشريع ، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال.
والمسلم مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة ليس حراً في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء كما هو الحال في النظام الرأسمالي ، وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان.
إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير. فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع ؛ والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية. والإسراف والتقتير يحدثان اختلالاً في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي ، وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها بغير حساب. ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق.
والإسلام وهو ينظم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من نفس الفرد ، فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان:
{وكان بين ذلك قواماً} ..
وسمة عباد الرحمن بعد ذلك أنهم لا يشركون بالله ، ويتحرجون من قتل النفس ، ومن الزنا. تلك الكبائر المنكرات التي تستحق أليم العذاب: