قال الشوكاني رحمه الله تعالى: أعلم أن الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات قد طالت ذيوله وتشعبت أطرافه، وتباينت فيه المذاهب وتفاوتت فيه الطرائق، وتخالفت النحل، وسبب هذا عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم الله، ودخولهم في أبواب لم يأذن الله لهم بدخولها، ومحاولتهم لعلم شيء استأثر الله بعلمه، حتى تفرقوا فرقاً وتشعبوا شعباً وصاروا أحزاباً كانوا في البداية، ومحاولة الوصول إلى ما يتصورونه من العامة مختلفي المقاصد متبايني المطالب فطائفة - وهي أخف هذه الطوائف المتكلفة، علم ما لم يكلفها الله سبحانه بعلمه إثماً، وأقلها عقوبة وجرماً - وهي التي أرادت الوصول إلى الحق والوقوف على الصواب لكن سلكت في طلبه طريقة متوعرة، وصعدت في الكشف عنه إلى عقب: كؤود، لا يرجع من سلكها سالماً فضلاً عن أن يظفر فيها بمطلوب صحيح، ومع هذا أصّلوا أصولاً ظنوها حقاً، فدفعوا بها آيات قرآنية، وأحاديث صحيحة نبوية واعتلوا في ذلك الدفع بشبهة واهية وحالات مختلفة.
وهؤلاء هم طائفتان الطائفة الأولى، هي الطائفة التي غلت في التنزيه فوصلت إلى حد يقشعر عنده الجلد ويضطرب له القلب، من تعطيل الصفات الثابتة، بالكتاب والسنة، ثبوتاً أوضح من شمس النهار وأظهر من فلق الصباح، وظنوا هذا - من صنيعهم - موافقاً للحق. مطابقاً لما يريده الله سبحانه، فضلوا الطريق المستقيمة، وأضلوا من رام سلوكها. والطائفة الآخرى: هي الطائفة التي غلت في إثبات القدرة، غلواً بلغ إلى حد أنه لا تأثير لغيرها، ولا اعتبار بما سواها، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض، والقسر الخالص، فلم يبق لبعثة الرسل، وإنزال الكتب، كثير فائدة، ولا يعود ذلك على عباده بعائدة، وجاؤا بتأويلات للآيات البينات، ومحاولات لحجج الله الواضحات، فكانوا كالطائفة الأولى في الضلال والإضلال، مع أن كلا المقصدين صحيح، ووجه كل منهما صبيح، لولا ما شأنه من الغلو القبيح.