بتأثير الْأَسْباب حَقيقَة غير مَشْهُور ولم نعثر عليه. وقول بعضهم إن أراد أنه [أودع] في الماء قوة
فاعلة مؤثرة في الْحَقيقَة فهو خلاف مذهب أهل السنة القائلين بأنه لا مؤثر إلا الله وإن أراد
أنه [أودع] في الماء قوة فاعلية أي يصح أن يكون لها فعل لكن لا تأثير لها، وإنما التأثير للَّه
تَعَالَى فَكَيْفَ يصح أن يقال يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار صريح فيما ذكرناه، ولو قيل إن
مراده من بعض أهل السنة الأستاذ أبو إسحاق والقاضي أبو بكر الباقلاني. قلت إنهما أثبتا أن
للقدرة من العبد مدخلًا في أفعاله لا بتأثير الْأَسْباب حَقيقَة مع أنهم أولوا كلامهما فاللائق
في مثل هذه الكشف عن حَقيقَة المقال مع نقل صريح من الثقات ويمكن اختيار الشق
الثاني الْمَذْكُور في كلام القائل الثاني. وقوله فعلى تقدير عدم تأثير الْقُوَّة الْفَاعلة فمن أين
يعلم وجودها، وما فَائدَة إبداعها فيه؟ فجوابه أن فَائدَة إبداعها أنه تَعَالَى جرى عادته بإيجاد
الثمر مثلًا [بإيداع] تلك الْقُوَّة كما أن خلق أفعال العباد منوط بقدرة العبد مع أنه لا تأثير لها
عند أهل السنة أصلًا فكذا هنا، وإلى ذلك أشار بقوله (وهو قادر عَلَى أن يوجد الأشياء) إذ
قوله: (كلها بلا أسباب ومواد) صريح في أنه لا تأثير للأسباب كلها حَقيقَة ولا أظن أحدًا من
أهل السنة أنه يخالفه. قوله (كما أبدع نفوس الْأَسْباب والمواد) أي أبدعها بلا أسباب وإلا
لزم التسلسل فكما قدر عَلَى خلقها ابتداء كَذَلكَ قادر عَلَى إيجاد المسببات بلا أسباب أَيْضًا
نسبة القدرة إلَى المسببات والْأَسْباب سواء وهما أَيْضًا سواء في المقدورية(ولكن له في
إنشائها)والإبداع والإنشاء الإيجاد وقد يخصص الإبداع عَلَى إيجاد شيء غير مسبوق بمادة
ولا زمان قيل وكذا الإنشاء أَيْضًا ومقابله التكوين في الاسْتعْمَال. قال الْمُصَنّف في قوله
تَعَالَى: (بديع السَّمَاوَات والْأَرْض) الإبداع اختراع الشيء لا عن شيء
دفعة وهو أليق لهذا المَوْضع من الصنع الذي هُوَ تركيب الصورة بالعنصر والتكوين الذي
يكون بتغيير وزمان غالبًا انتهى. قيد غالبًا معتبر في الكل وإلا فهو منظور فيه كما ستعرفه.
قوله: (مدرجًا من حال إلَى حال صنائع وحكم) عَلَى لفظ اسم الْمَفْعُول حال من
الضَّمير البارز في إنشائها باعْتبَار كل واحد أو مَفْعُول مطلق بتقدير الْمَوْصُوف أي إنشاء
مدرجًا وجعله مَفْعُولًا ثانيًا للإنشاء بتضمين معنى الجعل والتصيير ضعيف؛ إذ العبر في خلق
الأشياء بالتدريج لا جعل الأشياء مدرجة، وأما كون مدرجًا اسم فاعل حالًا من ضمير له فهو
غير مناسب؛ إذ إطلاق مدرجًا عليه تَعَالَى لا يخلو عن اضطراب وإن لم يطلق بطريق
الاسمية (يجدد) أي الله تَعَالَى (فيها) في صنائعها الأولي الأبصار) جمع بصيرة وهي الْقُوَّة
المدركة في القلب بمنزلة الْقُوَّة الباصرة في العين يدرك بها المعقولات قيده بهم لأنهم
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: كما أبدع نفوس الْأَسْباب والمواد وقد قيل:
[اكر تكوين بآلست يد حوالت ... جه آلت بود در تكوين آلت] [1]
وقَالُوا إن في ترتيب المكونات عَلَى الْأَسْباب قدرتين وحكمتين خلق نفس السبب وخلق
حاصية التأثير فيه ونظام الوجود وإفاضة الجود وهذا هُوَ الْمَعْنَى بقوله ولكن في إنشائها مدرجا من
حال إلَى حال صانع وحكم الخ.
[1] العبارة باللغة الفارسية.