كذلك نقول: الإله الذي أخذ الأرض مثلاً ، لماذا لم يأخذ السماء؟ لا بُدَّ أنه أخذ الأرض بقُوَّته ، وترك السماء لعجزه ، ولا يصلح إلهاً مَنْ وُصِف بهذه الصفة ، فإن قالوا: إنهم جميعاً أقوياء يستطيع كل واحد منهم أن يخلق الخَلْق بمفرده نقول: إذن ما فائدة الآخرين؟
ثم يقول سبحانه: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ . .} [المؤمنون: 91] يعني: لو استقل كل منهم بقطاع من الكون دون الآخر لَفَسدتْ الأمور ، كما رأينا في دنيا البشر أن يحاول أحد الملوك أنْ يستقلّ بقطاع من الأرض لا حَقَّ له فيه ، ورأينا ما أحدثه من فساد في الأرض ، هذا مثال لقوله تعالى: {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ . .} [المؤمنون: 91] وهي صورة من صور الفساد .
لذلك يعالج الحق سبحانه هذه القضية ويعلنها على الملأ: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم . .} [آل عمران: 18] .
فليس هذا كلامنا ، وليست هذه شهادتنا ، بل كلام الله وشهادته سبحانه لنفسه ، لكن هل علم هؤلاء الآلهة بهذه الشهادة؟ إنْ علموا بهذه الشهادة فسكوتهم عليها وعدم اعتراضهم عَجْز ، وإن لم يدروا فَهُم غافلون نائمون ، ففي كلتا الحالتين لا يصحّ أن يكونوا آلهة .
وفي موضع آخر يردّ عليهم الحق سبحانه: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً . .} [الإسراء: 42] يعني في هذه الحالة {لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً} [الإسراء: 42] يعني: ذهبوا يبحثون عن الإله الذي أخذ منهم الكون ، وتعدَّى على سلطانهم ، إما ليجابهوه ويحاكموه ، وإما ليتقربوا إليه .