فبذلك كان الاستدلال الذي في هذه الآية برهانياً ، وهو مثل الاستدلال الذي في قوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] إلا أن هذا بني على بعض لزوم النقص في ذات الآلهة وهو ما لا يجوزه المردود عليهم ، والآخر بني على لزوم اختلال أحوال المخلوقات السماوية والأرضية وهو ما تبطله المشاهدة.
أما الدليل البرهاني الخالص على استحالة تعدد الآلهة بالذات فله مقدمات أخرى قد وفّى أئمة علم الكلام بسطها بما لارواج بعده لعقيدة الشرك.
وقد أشار إلى طريقة منها المحقق عمر القزويني في هذا الموضع من"حاشيته"على"الكشاف"ولكنه انفرد بادعاء أنه مأخوذ من الآية وليس كما ادعى.
وقد ساقه الشهاب الآلوسي فإن شئت فتأمله.
ولما اقتضى هذا الدليل بطلان قولهم عقب الدليل بتنزيه الله تعالى عن أقوال المشركين بقوله تعالى: {سبحان الله عمايصفون} وهو بمنزلة نتيجة الدليل.
وما يصفونه به هو ما اختصوا بوصفهم الله به من الشركاء في الإلهية ومن تعذر البعث عليه ونحو ذلك وهو الذي جرى فيه غرض الكلام.
وإنما أتبع الاستدلال على انتفاء الشريك بقوله {علام الغيب والشهادة} المراد به عموم العلم وإحاطته بكل شيء كما أفادته لام التعريف في {الغيب والشهادة} من الاستغراق الحقيقي ، أي عالم كل مغيب وكل ظاهر ، لدفع توهم أن يقال: إن استقلال كل إله بما خلق قد لا يفضي إلى علو بعض الآلهة على بعض ، لجواز أن لا يعلم أحد من الآلهة بمقدار تفاوت ملكوته على ملكوت الآخر فلا يحصل علو بعضهم على بعض لاشتغال كل إله بملكوته.
ووجه الدفع أن الإله إذا جاز أن يكون غير خالق لطائفة من المخلوقات التي خلقها غيره لئلا تتداخل القُدَر في مقدورات واحدة لا يجوز أن يكون غير عالم بما خلقه غيره لأن صفات العلم لا تتداخل ، فإذا علم أحد الآلهة مقدار ملكوت شركائه فالعالم بأشدية ملكوته يعلو على من هو دونه في الملكوت.