وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ، لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي إن هؤلاء الكفار لو أسبغنا عليهم واسع رحمتنا، وأزحنا عنهم الضر، وأفهمناهم القرآن، لما آمنوا به ولما انقادوا له، ولتمادوا في ضلالهم، ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، وظلوا متحيرين مترددين، كما قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال 8/ 23] .
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ، وَما يَتَضَرَّعُونَ أي ولقد ابتليناهم بالمصائب والشدائد، فما ردّهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على غيهم وضلالهم، وما خشعوا وما خضعوا لربّهم، وما دعوا ولا تذللوا، كما قال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنعام 6/ 43] .
ثم أخبر الله تعالى عن عاقبة أمرهم فقال:
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ، إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أي حتى إذا جاءهم أمر الله، وجاءتهم الساعة بغتة، فنالهم من العذاب ما لم يكونوا يحتسبون، أيسوا من كل خير ومن كل راحة، وانقطعت آمالهم، وخاب رجاؤهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
1 -إن للكفار أعمالا قبيحة جدا في ميزان شرع الله ودينه، أسوأها الشرك، وهم في غفلة وعماية عن القرآن وهديه، وهم عاملون تلك الأعمال لا محالة لأنها مثبّتة في علم الله تعالى وفي حكم الله وفي اللوح المحفوظ، ولكن دون إجبار ولا إكراه، وإنما باختيار منهم.
2 -يعتاد الكافر إذا أصابه العذاب والبلاء في الدنيا أن يجأر بالشكوى ويضج ويستغيث، ولكن إذا داهمه العذاب في الآخرة لم ينفعه التضرع والجزع، ولا يجد ناصرا ينصره من بأس الله تعالى.
ومثال ذلك أن مترفي مكة تعرضوا للقتل يوم بدر، وللجوع الشديد، حين
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف»
فابتلاهم الله بالقحط والجوع، حتى أكلوا العظام والميتة والكلاب والجيف، وهلكت الأموال والأولاد، كما تقدم بيانه.