«فَإِنْ قِيلَ» : (إِذًا) لَا يَدْخُلُ إِلَّا عَلَى كَلَامٍ هُوَ جَزَاءٌ وَجَوَابٌ، فَكَيْفَ وَقَعَ قَوْلُهُ (لَذَهَبَ) جَزَاءً وَجَوَابًا؟
وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَرْطٌ وَلَا سُؤَالُ سَائِلٍ؟
قُلْنَا الشَّرْطُ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وَإِنَّمَا حُذِفَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: (وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ) عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: (سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) مِنْ إِثْبَاتِ الْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ.
(رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(94)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّه نَبِيَّهُ الْمَعْصُومَ مَعَ الظَّالِمِينَ حَتَّى يَطْلُبَ أَنْ لَا يَجْعَلَهُ مَعَهُمْ؟
قُلْنَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ الْعَبْدُ رَبَّهُ مَا عَلِمَ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ، وَأَنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِمَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وَتَوَاضُعًا لِرَبِّهِ.
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ الصِّدِّيقِ: وُلِّيتُكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ خَيْرُهُمْ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يَهْضِمُ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ رَبِّ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً قَبْلَ الشَّرْطِ وَمَرَّةً قَبْلَ الْجَزَاءِ مُبَالَغَةً فِي التَّضَرُّعِ.
(حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)
اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (ارْجِعُونِ) مَنِ الْمُرَادُ بِهِ؟
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ الْأَرْوَاحَ وَهُمْ جَمَاعَةٌ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلِ الْمُرَادُ هُوَ اللَّه تَعَالَى لِأَنَّ قَوْلَهُ (رَبِّ) بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ يَا رَبِّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَمَا يُخَاطِبُ الْعَظِيمُ بِلَفْظِهِ فَيَقُولُ فَعَلْنَا وَصَنَعْنَا
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ