فكُلُّ شيء في الوجود له حياة بقانونه ، وليس من الضروري أن تسمع الكلام حتى تعترف بوجوده ، فهناك مثلاً لغة الإشارة ، وهي لغة مفهومة ومُعبِّرة ، أَلاَ ترى مثلاً إلى الخادم ينظر إليه سيده مجرد نظرة يفهم منها ما يريد أنْ يُقدِّمه للضيف مثلاً .
البحارة لهم إشارات يتعارفون عليها ويتفاهمون بها . جهاز التلغراف لَوْن من ألوان الأداء ووسيلة من وسائل التفاهم ، إذن: الأداء والبيان ليس من الضروري أنْ يتمّ بالكلام المسموع ، إنما تتفاهم الأجناس ويُكلِّم بعضها بعضاً كلّ بلغته ، فإذا أراد الله أن يفيض عليك من إشراقاته أعطاك من البصيرة والعلم ما تفهم به فقدت غيرك من الأجناس .
لذلك يقول تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ...} [النور: 41] والتنوين هنا دالٌّ على التعميم ، فلكل شيء صلاته التي تناسبه ، وتسبيحه الذي يناسب طبيعته .
والحق - سبحانه وتعالى - حين يعرض قضية التسبيح والخضوع والقَهْر من المخلوقات جميعاً لله يأتي الكلام عاماً في كل الأجناس بلا استثناء ، إلا في الكلام عن الإنسان ، فإن التسبيح والخضوع خاصٌّ ببعض الناس .
اقرأ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب ...} [الحج: 18] هكذا بلا استثناء ، أمّا في الإنسان ، فقال: {وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [الحج: 18] .
ثم يقول تعالى: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79] نعم ، الحق سبحانه خالق كل شيء ، وفاعل كل شيء ، لكن مع ذلك يؤكد هذه الحقيقة حتى لا نتعجب من تسبيح الطير والجماد ، فالله هو الفاعل ، وهو المانح والمحرك .
ثم يقول الحق سبحانه عن داود عليه السلام: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ ...} .