{وَعَلَّمْنَاهُ ...} [الأنبياء: 80] العِلْم نقل قضية مفيدة في الوجود من عالم بها إلى جاهل بها ، والإنسان دائماً في حجة إلى معرفة وتعلُّم ، لأنه خليفة الله في الأرض ، ولن يؤدي هذه المهمة إلا بحركة واسعة بين الناس ، هذه الحركة تحتاج إلى فَهْم ومعرفة وتفاعل وتبادل معارف وثقافات ، فمثلاً تشكيل الحديد يحتاج إلى تسخين حتى يصير لَيِّناً قابلاً للتشكيل ، الماء لا بُدَّ أنْ نغليَه لكذا وكذا . . إلخ .
وقضايا العلم التي تحتاجها حركة الإنسان في الأرض نوعان: نوع لم يأمن الله فيه الخَلْق على أنفسهم ، فجاء من الله بالوحي ، حتى لا يكون للعقل مجال فيه ، ولا تختلف حوله الأهواء والرغبات ، وهذا هو المنهج الذي نزل يقول لك: افعل كذا ، ولا تفعل كذا .
لكن الأمور التي لا تختلف فيها الأهواء ، بل تحاول أن تلتقي عليها وتتسابق إليها ، وربما يسرق بعضهم من بعض ، هذه الأمور تركها الحق - سبحانه - لعمل العقول وطموحاتها ، وقد يلهم فيها بالخاطر أو بالتعلم ، ولو من الأدنى كما تعلَّم ابن آدم (قابيل) من الغراب ، كيف يواري سوأة أخيه ، فقال سبحانه: {فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ...} [المائدة: 31] .
والقضية العلمية قد يكون لها مقدمات في الكون حين نُعمِل فيها العقل ، ونُرتِّب بعض الظواهر على بعض ، نتوصل منها إلى حقائق علمية ، وقد تأتي القضية العلمية بالتجربة ، أو بالخاطر يقذفه الله في قَلْب الإنسان .
فقوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ ...} [الأنبياء: 80] يصح أن نقول: كان هذا التعليم بالوحي ، أو بالتجربة أو الإلقاء في الرَّوْع ، وهذه الصنعة لم تكن معروفة قبل داود عليه السلام .