قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومن أغرب الأشياء عندي ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. من أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أشار له إلى معنى الكلالة إشارة واضحة جداً. ولم يفهمها عنه مع كمال فهمه وعلمه ، وأن الوحي ينزل مطابقاً لقوله مراراً. وذلك أنه رضي الله عنه قال: ما سألت النَّبي صلى الله لعيه وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري وقال:"تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء"وهذا الإرشاد من النَّبي صلى الله عليه وسلم واضح كل الوضوح في أنه يريد: أن الكلالة هي ما عدا الولد والوالد. لأن آية الصيف المكذورة التي أخبره أنها تكفيه دلت على ذلك دلالة كافية واضحة فقوله تعالى فيها: {إِن أمرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 176] صريح في أن الكلالة لا يكون فيها ولد. وقوله فيها: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} [النساء: 12] يدل بالالتزام على أنها لا أب فيها ، لأن الإخوة والأخوات لا يرثون مع الأب. وذلك مما لا نزاع فيه. فظهر أن آية الصيف المذكورة تدل بكل وضوح على أن الكلالة ما عدا الولد والوالد ، ولم يفهم عمر رضي الله عنه الإشارة النبوية المذكورة ، فالكمال التام له جل وعلا وحده ، سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
ومنها اجتهاد ابن مسعود رضي الله عنه في المرأة التي توفي زوجها ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها. فقال: أقول فيها برأيي ، فإن كان صواباً فمن الله: لمها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط ، ولها الميراث وعليها العدة. وقد شهد لابن مسعود بعض الصحابة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى بنحو ذلك في بروع بنت واشق ، ففرح بذلك.
ومنها اجتهاد الصحابة في أن أبا بكر رضي الله عنه أولى من غيره بالإمامة ، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قدمه على غيره في إمامة الصلاة.