فَحَكَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ فِعْلَ الْبَهَائِمِ هَدَرٌ ، وَهَذَا عُمُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ سَنَدًا وَمَتْنًا ، وَحَدِيثُ نَاقَةِ الْبَرَاءِ خَاصٌّ ، وَمَا قَضَى بِهِ دَاوُد وَسُلَيْمَانُ غَيْرُ مَعْلُومٍ عَلَى التَّعْيِينِ مِمَّنْ يَقْطَعُ بِصِدْقِهِ ، فَتَعَيَّنَ أَنْ نَعْتَنِيَ بِشَرْعِنَا ، فَنَقُولَ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْعَامَّ يَقْضِي عَلَيْهِ الْخَاصُّ ، وَقَضَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاقَةِ الْبَرَاءِ بِأَنَّ حِفْظَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَرْبَابِهَا ؟ لِمَا عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي حِفْظِهَا بِالنَّهَارِ ، وَبِأَنَّ حِفْظَ الْكُلِّ بِاللَّيْلِ عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حِفْظِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ شَاقٌّ عَلَى أَرْبَابِهَا ، فَجَرَى الْحُكْمُ عَلَى الْأَوْفَقِ وَالْأَسْمَحِ بِمُقْتَضَى الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ ، وَمَجْرَى الْمَصْلَحَةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوْفَقَ لِلْفَرِيقَيْنِ ، وَأَسْهَلَ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَأَحْفَظَ لِلْمَالِكَيْنِ.
وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ ؛ لِمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّينَ الْمُتَقَدِّمِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ فِي أَصْلِ الضَّمَانِ ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ فِي صِفَتِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي فِيمَا أَصَابَتْ بِالنَّهَارِ وَقَالَ اللَّيْثُ: يَضْمَنُ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِهَا ضَمَانٌ.