ثم اختلف في تأويل هذا؛ قال الحسن: قوله: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) أي: اعكموا أنا ناتي الأرض ننقصها من أطرافها، أي: نحشرهم يوم القيامة من أطراف الأرض إلى المحشر، فذلك نقصها.
وقال غيره: أفلا يرون أن رسول اللَّه كلما بعث إلى أرض ظهر عليها، قال: ننقصها بالظهور عليها أرضًا فأرضًا، (أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) ، أي: ليسوا هم الغالبين، ولكن رسول اللَّه هو الغالب عليهم.
وقال ابن عَبَّاسٍ: ننقصها: ذهاب فقهائها وخيار أهلها.
وقال قتادة: ننقصها بالحرث، وكذلك قال عكرمة: ننقصها من أطرافها بالموت، وقال: لو كانت الأرض تنقص لم يوجد للرجل مجلس يجلس فيه، ونحو هذا قد قالوا فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ...(45)
هذا - واللَّه أعلم - يخرج على وجهين:
أحدهما: خرج جوابًا لقولهم: (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) ، أنهم كانوا ينكرون رسالته ويقولون: إنه بشر كيف خص هو به؟ فيقول: إني لست أنذركم لأني بشر، ولكن إنما أنذركم بالوحي من اللَّه، وأنتم ممن لا تقبلون بشارة ربي ونذارته.
والثاني: قال ذلك لما تقدم منه في الآيات النذارةُ المرسلة غير مضافة إلى اللَّه، فأمره أن يقول لهم: إني فيما أنذركم من النذارات، لم أنذركم من ذات نفسي، ولكن إنما أنذركم بالوحي من ربي، فمعناه - واللَّه أعلم - أي: فيما أنذرتكم مما نزل بالأمم المتقدمة والأنباء التي أخبرتكم عنها مما لم أشهدها ولا أنتم، بل إنما أنذركم بالوحي، فذلك موضع الاحتجاج عليهم في إثبات رسالته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ) .