قوله تعالى:
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ » .. (70 - 71: الأحزاب) فما هو العمل الصالح؟ وما هي التقوى؟ وما القول السديد؟ .. كل ذلك لم يشأ القرآن الكريم أن يعرض له بالكشف عن « ماهيته » ورسم حدوده ..
نعم ، هناك أمور واضحة صريحة فِي باب الخير ، كما أن هناك أمورا واضحة صريحة فِي باب الشر .. ولكنها على هذا الوضوح ، ومع تلك الصراحة ، لا تقع من النفوس موقعا واحدا .. فإذا اتفقت النفوس على أن العدل جميل .. فإنه فِي نفس عمر بن الخطاب مثلا ، غيره فِي نفس كثير من الناس .. هو خير لا شك فيه .. تدعو إليه الشريعة وتأمر به ، وتثيب عليه .. ولكنها لا تستطيع أن تضعه فِي معادلة جبرية. أو تحلله تحليلا كيماويا .. إنه العدل ، وكفى! وإنه الخير وكفى! « الحلال بيّن ، والحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات » هكذا يقول الرسول الكريم .. وليست الشبهة فِي الحلال فِي ذاته ، أو الحرام فِي داته ، وإنما تقع الشبهة فِي الملابسات التي تلابس الحلال أو الحرام ، وفى الوضع الذي يكون عليه الإنسان إزاء ما هو حلال وحرام ..!
أتترك الأمور إذن بلا ضابط هكذا؟ ..
كلا .. ومن قال هذا؟
إن ربّان السفينة إذا أدار محركها أو فرد قلوعها ، هو هالك لا محالة ، إذا هو لم يعرف الوجهة التي يتجه إليها ، وإذا لم يكن معه « بوصلة » أو ما يشبهها ، ليستعين بها على معرفة الشرق والغرب ، والشمال والجنوب ، وإذا لم يكن معه « بوصلة » أخرى أو ما يشبهها ، يقيس بها الأعماق ، أو يستدلّ بها على مهابّ الرياح! والإنسان هو سفينة فِي محيط هذه الحياة .. ربّانه العقل ، وقلوعه النفس ، ونزعاته وأهواؤه ، هي التي تملأ قلوعها وتدفعها ..!
لا بد إذن من « بوصلة » تضبط سيره ، وتحدد وجهته ..