وروى عبد الرزاق - أيضًا - حديث سلمان المتقدم بلفظ:"إِذا كانَ الرَّجُلُ بِأرْضِ فَلاةٍ فَحانَتِ الصَّلاةُ فَلْيتوَضَّأ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ماءً فَلْيتَيَمَّمْ، فَإِنْ أَقامَ صَلَّىْ مَعَهُ مَلَكانِ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقامَ صَلَّىْ خَلْفَهُ مِنْ جُنُوْدِ اللهِ"
ما لا يَرَىْ طَرْفاه"."
التَّنْبِيْهُ الثَّانِيْ: لعلك تقول: إن فضيلة الجماعة لا ينالها الإِمام ما لم ينو الإمامة والجماعة - على الأصح - فعليه: لا تحصل فضيلة الجماعة للمنفرد إذا اقتدى به غيره، فأي فائدة له في اقتداء غيره به؟
فالجواب عن ذلك: إن المقتدي بهذا المنفرد إن كان لم يُصَلِّ قبل ذلك، أو صلى منفردًا، فقد حصل فضيلة الجماعة لنفسه باقتدائه بالمنفرد المذكور، وإن كان قد صلى قبل ذلك صلاته في جماعة فقد حصل باقتدائه المذكور فضيلة هذه الصلاة الثانية نفلًا، وفرضه الأولى في الأصح.
ثم المنفرد لا يخلو عن فائدة باقتداء هذا المقتدي به إن قلنا بالقول الثاني: (إن فضيلة الجماعة تحصل له وإن لم ينو الإمامة أو الجماعة) .
ويؤيده قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد جاء بعد العصر رجل إلى المسجد:"مَنْ يتصَدَّقُ عَلَىْ هَذا فَيُصَلِّ مَعَهُ؟"فصلى معه رجل. رواه أبو داود، وغيره، وحسنوه.
وإن قلنا بالقول الأول - وهو الأصح: (إن فضيلة الجماعة لا تحصل له إلا بنية الجماعة) فلا تفوته الفضيلة أيضًا؛ لأنه يمكنه أن ينويَ
بقلبه الجماعة في أثناء صلاته، فينال الفضيلة من حينئذ.
وقال القاضي حسين من أصحابنا الشافعية رضي الله تعالى عنهم فيمن صلى منفردًا، فاقتدى به جمع، ولم يعلم بهم: ينال فضيلة الجماعة لأنهم نالوها بسببه، بخلاف ما لو علم بهم؛ فإنه لا ينال الفضيلة ما لم ينوها؛ لأن تركه للنية مع علمه يشعر بإعراضه عن تحصيل الفضيلة.
وعلى هذا القول: ففي مسألة اقتداء الملائكة بالمؤمن إذا صلى في أرض فلاة لا تفوته - إن شاء الله - فضيلة جماعتهم لأنه لا يحس بهم، فإن أحس بهم - بأن كان من أرباب الكشف، وأصحاب الأحوال السَّنِية، وكشف له عن حقائقهم وجواهرهم - فحينئذ ينبغي أن ينوي الجماعة على ما فصَّله القاضي حسين رحمه الله تعالى.