عما يعقل مثل قوله تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ «1» . ومثل قوله سبحانه: قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ «2» فقال: ادخلوا ولم يقل ادخلن. لأن خطابها لما خرج على مخرج خطاب من يعقل كان الأمر لها على مثال أمر من يعقل. وقد مضى الكلام على ذلك فيما تقدم.
[سورة الأنبياء (21) : آية 37]
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37)
وقوله سبحانه: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [37] . وهذه استعارة. والمراد أن الإنسان خلق مستعجلا بطلب «3» ما يؤثره ، واستطراف ما يحذره. واللّه سبحانه إنما يعطيه ما طلب ، ويصرف عنه ما رهب ، على حسب ما يعلمه من مصالحه ، لا على حسب ما يسنح من مآربه.
وقيل ذلك على طريق المبالغة فِي وصف الإنسان بالعجلة ، كما يقال فِي الرجل الذكي:
إنما هو نار تتوقد ، وللإنسان البليد: إنما هو حجر جلمد.
فأما من قال من أصحاب التفسير: إن العجل هاهنا اسم من أسماء الطين ، وأورد عليه شاهدا من الشعر ، فلا اعتبار بقوله ، ولا التفات إلى شاهده ، فإنه شعر مولد «4» وقول فاسد.
[سورة الأنبياء (21) : آية 46]
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (46)
وقوله سبحانه: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ [46] . ولفظ النفحة هاهنا مستعار. والمراد بها إصابة الشيء اليسير من العذاب.
(1) سورة يوسف. الآية رقم 4.
(2) سورة النمل. الآية رقم 18.
(3) فِي الأصل: (يطلب) بالياء المثناة التحتية. وهو تحريف.
(4) أما الشعر الذي أنشدوه ليثبتوا به أن العجل هو الطين ، فهو قول الشاعر:
والنبع فِي الصخرة الصماء منبته والنخل ينبت بين الماء والعجل انظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ج 11 ص 289.