بعضًا كأمواج البحرِ ، فكانَ أوَّلُها فتنةَ قتلِ عثمانَ - رضي الله عنه - وما نشأ منها من افتراقِ قلوبِ المسلمينَ ، وتشعبِّ أهوائِهم وتكفيرِ بعضِهم بعضًا ، وسفكِ بعضِهم دماءَ بعضٍ ، وكانَ البابَ المغلقَ الذي بين الناسِ وبين الفتن عُمَرُ - رضي الله عنه - وكان قتلُ عُمَرَ كسْرًا لذلكَ البابِ ، فلذلكَ لم يُغْلَق ذلكَ البابُ بعدَه أبدًا.
وكان حذيفةُ أكثرَ الناسِ سؤالا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن الفتنِ ، وأكثرَ الناسِ علمًا بها ، فكانَ عندَهُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمٌ بالفتنِ العامةِ والخاصةِ ، وهو حدَّث عُمَرَ تفاصيلَ الفتن العامَّة ، وبالبابِ الذي بينَ الناسِ وبينَها ، وأنه هو عمرُ ، ولهذا قالَ: إنِّي حدثتُهُ حديثًا ليس بالأغاليطِ ، والأغاليطُ: جمع أغْلُوطة ، وهي التي يُغَالطُ بها.
واحدها:"أُغْلُوطةٌ"و"مَغْلَطَةٌ"، والمعنى: أنه حدَّثه حديثًا حقًّا.
ليس فيه مرْية ، ولا إيْهَام.
وهذا مما يُستدل به على أنَّ روايةَ مثلِ حذيفةَ يحصلُ بها لِمَنْ سمعَها العلمُ
اليقينيُّ الذي لا شكَّ فيه ، فإنَّ حذيفةَ ذكرَ أن عُمرَ علِمَ ذلك وتيقنه كما تيقنَ
أنَّ دونَ غدٍ الليلةَ لما حذَثه به من الحديثِ الذي لا يحتملُ غيرَ الحقِّ والصدقِ.
وقد كانتِ الصحابةُ تعرفُ في زمانِ عُمَرَ أنَّ بقاءَ عُمَرَ أمانٌ للناسِ من
الفتن.
وفي"مسندِ الإمامِ أحمدَ"أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ لمَّا عزَلَه عُمَرُ ، قالَ لهُ
رجل: اصبرْ أيها الأميرُ ، فإنَّ الفتن قد ظهرتْ ، فقال خالدٌ: وابن الخطَّابِ
حيٌّ ، إنَّما يكون بعدَهُ"."
وقد رُويَ من حديث عثمانَ بن مَظْعونٍ ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سمَّى عمر: غلق الفتنة وقال:"لا يزال بينكم وبينَ الفتنةِ باب شديدُ الغلقِ ما عاشَ هذا بين أظهركم".
خرَّجه البزار.
ورُوي نحوه من حديثِ أبي ذرٍّ.