(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47)
قال ابن كثير: قوله: {وَنَضَعُ الموازين} الأكثر على أنه ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه.
وقال القرطبي:"الموازين: جمع ميزان، فقيل: إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة."
وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله... وقيل: ذِكْر الميزان مثَل وليس ثَمَّ ميزان وإنما هو العدل، والذي وردت به الأخبار، وعليه السواد الأعظم القول الأول. و"القسط"صفة الموازين ووحد لأنه مصدر...
واللام في قوله {لِيَوْمِ القيامة} قيل للتوقيت. أي للدلالة على الوقت، كقولهم: جاء فلان لخمس ليال بقين من الشهر. وقيل هي لام كى، أي: لأجل يوم القيامة، أو بمعنى في أي: في يوم القيامة.
وقوله - سبحانه - {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} بيان للعدل الإلهى، وأنه - سبحانه - لا يظلم أحدا شيئا مما له أو عليه، أي: فلا تظلم نفس شيئا من الظلم لا قليلا ولا كثيراً.
وقوله {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} تصوير لدقة الحساب، وعدم مغادرته لشيء من أعمال الناس، إذ الخردل حب في غاية الصغر والدقة. ومثقال الشيء: وزنه.
وأنث الضمير في قوله"بها"وهو راجع إلى المضاف الذي هو"حبة من خردل".
وقوله - سبحانه -: {وكفى بِنَا حَاسِبِينَ} بيان لإحاطة الله تعالى: بعلم كل شيء.
(وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ(79)
قال ابن كثير: وذلك لطيب صوته، بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويبا. ولهذا لما مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبى موسى الأشعرى، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب، فوقف واستمع إليه وقال:"لقد أوتى هذا من مزامير آل داود".
وقال صاحب الكشاف:""
«فإن قلت» : لم قدمت الجبال على الطير؟
قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب، وأدل على القدرة، وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد، والطير حيوان، إلا أنه غير ناطق، روى أنه كان يمر بالجبال مسبحا وهي تجاوبه، وقيل: كانت تسير معه حيث سار...