قال البقاعي: فيالله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم، فلم يجوزوا أن يكون ذلك عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان، وجزموا أنه من الشيطان الداعي إلى الهوان باصطلاء النيران والعجب أيضاً أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم بما يخص الله تعالى به بعض الناس عن بعض من الذكاء والفطنة، وحسن الخلائق والأخلاق والقوة والصحة، وطول العمر وسعة الرزق ونحو ذلك انتهى، ولا عجب فإنها عقول أضلها باريها، ثم كأنه قيل: فإذا يقال لهؤلاء فقال: {قَالَ} لهم: {رَبِّيَ} المحسن إلي {يَعْلَمُ الْقَوْلَ} سواء كان سراً أم جهراً كائناً {فِي السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} على حد سواء؛ لأنه لا مسافه بينه وبين شيء من ذلك {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ، فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون.
«فَإِنْ قِيلَ» : هلا قيل يعلم السر لقوله تعالى: {وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى} (طه: 62)
أجيب بأن القول عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السر كما أن قوله: يعلم السر آكد من أن يقول يعلم سرهم.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم ترك هذا الآكد في سورة الفرقان في قوله تعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (الفرقان: 6) ، ولم يقل: يعلم القول كما هنا؟
أجيب: بأنه ليس بواجب أن يأتي بالآكد في كل موضع، ولكن يجيء بالوكيد تارة وبالآكد تارة أخرى، كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتن الكلام افتتاناً، ويجمع الغاية وما دونها، على أن أسلوب تلك الآية خلاف أسلوب هذه من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى، فكأنه أراد أن يقول: إنّ ربي يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد وصف ذاته بأنه أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، فهو كقوله تعالى: {عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} .
{حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً}