فالجواب: أنَّ كلاًّ منهما آية بالآخر فصارا آية واحدة، لأنّ حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل. أو تقول: حذف من الأول لدلالة الثاني، أو بالعكس أي: وجعلنا ابن مريم آية وأمه كذلك، وهو نظير الحذف في قوله: {والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] وقد تقدم.
أو أنّ معنى الكلام: جعلنا شأنهما وأمرهما آية.
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) }
أتى هنا ب «مَا» وهي لغير العقلاء، لأنه متى اختلط العاقل بغيره يُخَيّر الناطق بين (مَا) ، و«مَنْ).
روى ابن عباس أنه - عليه السلام - دخل المسجد وصَنَادِيد قريش في الحَطِيم. وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحرث فكلمه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى أفحمه، ثم تلا عليهم {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} الآية.
فأقبل عبد الله بن الزَّبَعْرَى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم خوضكم؟
فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله. فقال ابن الزبعرى: أنت قلت ذلك؟
قال نعم.
قال: خصمتك ورب الكعبة، أليس اليهود عُزَيْراً، والنصارى عبدوا المسيح، وين مليح عبدو الملائكة. فسكت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يجب، فضحك القوم، ونزل قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وقالوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 57، 58] .
ونزل في عيسى والملائكة {إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى} [الأنبياء: 101] .
وفي رواية أخرى أنه - عليه السلام - قال: «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك» فأنزل - تعالى - {إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى} [الأنبياء: 101] يعني عزيراً والمسيح والملائكة.
قال ابن الخطيب: واعلم أنَّ سؤال ابن الزبعرى غير متوجه من وجوه: