السحر لا يقلب حقيقة الشيء ، بل يظل الشيء على حقيقته ، ويكون السحر للرائي ، فيرى الأشياء على غير حقيقتها ، كما قال تعالى: {سحروا أَعْيُنَ الناس} [الأعراف: 116] فلما ألقى السحرةُ حبالهم كانت حبالاً في الحقيقة ، وإنْ رآها الناظر حيّات وثعابين تسعى ، أما عصا موسى فعندما ألقاها انقلبت حية حقيقية ، بدليل أنه لما رآها كذلك خاف منها .
وقوله: {فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ} [طه: 58] أي: نتفق على موعد لا يُخلفه واحد منّا {مَكَاناً سُوًى} [طه: 58] أي: مُسْتوياً ؛ لأنه سيكون مشهداً للناس جميعاً فتستوي فيه مرائي النظارة ، بحيث لا تحجب الرؤية عن أحد . أو (سُوىً) يعني: سواء بالنسبة لنا ولك ، كما نقول: نلتقي في منتصف الطريق ، لا أنا أتعب ولا أنت .
ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة}
معلوم أن الحدث يحتاج إلى مُحدِث له ، ويحتاج إلى مكان يقع عليه ، ويحتاج إلى زمان يحدث فيه ، وقد عرفنا المحدِث لهذا اللقاء ، وهما موسى وهارون من ناحية ، وفرعون وسحرته من ناحية .
وقد حدد فرعون المكان ، فقال {مَكَاناً سُوًى} [طه: 58] بقي الزمان لإتمام الحدث ؛ لذلك حدده موسى ، فقال: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة} [طه: 59] ؛ لأن الحدث لا يتم إلا في زمان ومكان .
لذلك لا نقول: متى الله ولا: أين الله؟ فالحق تبارك وتعالى ليس حَدَثاً ، ومتى وأين مخلوقة لله تعالى ، فكيف يحدُّه الزمان أو المكان؟
وقول موسى {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة} [طه: 59] ولم يقُلْ: يوم الاثنين أو الثلاثاء مثلاً ، ويوم الزينة يوم يجتمع فيه كل سُكَّان مصر ، يظهر أنه يوم وفاء النيل ، فيخرجون في زينتهم مسرورين بفيضان النيل وكثرة خيره وبركاته ، وما زالت مصر تحتفل بهذا اليوم .