وله في كل شيء خِلْقُهُ... وكذاك الله ما شاء فعل
وقال الفراء: المعنى خلق للرجل المرأة ، ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث.
ويجوز أن يكون خلقه على القراءة الأولى هو المفعول الأوّل لأعطى ، أي أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به ، ومعنى {ثُمَّ هدى} : أنه سبحانه هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم فانتفعوا بكل شيء فيما خلق له ، وأما على القراءة الآخرة ، فيكون الفعل صفة للمضاف أو للمضاف إليه ، أي أعطى كل شيء خلقه الله سبحانه ولم يخله من عطائه ، وعلى هذه القراءة يكون المفعول الثاني محذوفاً ، أي أعطى كل شيء خلقه ما يحتاج إليه ، فيوافق معناها معنى القراءة الأولى.
{قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى} لما سمع فرعون ما احتج به موسى في ضمن هذا الكلام على إثبات الربوبية كما لا يخفى من أن الخلق والهداية ثابتان بلا خلاف ، ولا بدّ لهما من خالق وهادٍ ، وذلك الخالق والهادي هو الله سبحانه لا ربّ غيره.
قال فرعون: فما بال القرون الأولى؟ فإنها لم تقرّ بالربّ الذي تدعو إليه يا موسى بل عبدت الأوثان ونحوها من المخلوقات ، ومعنى البال: الحال والشان ، أي ما حالهم وما شأنهم؟ وقيل: إن سؤال فرعون عن القرون الأولى مغالطة لموسى لما خاف أن يظهر لقومه أنه قد قهره بالحجة أي: ما حال القرون الماضية ، وماذا جرى عليهم من الحوادث؟ فأجابه موسى ، فقال {عِلْمُهَا عِندَ رَبّى} أي إن هذا الذي سألت عنه ليس مما نحن بصدده ، بل هو من علم الغيب الذي استأثر الله به لا تعلمه أنت ولا أنا.
وعلى التفسير الأوّل يكون معنى {عِلْمُهَا عِندَ رَبّي} : أن علم هؤلاء الذين عبدوا الأوثان ونحوها محفوظ عند الله في كتابه سيجازيهم عليها ، ومعنى كونها في كتاب: أنها مثبتة في اللوح المحفوظ.
قال الزجاج: المعنى أن أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها ، والتقدير: علم أعمالها عند ربي في كتاب.