{قال علمها عند ربي} استأثر به لا يعلمه إلا هو وما أنا إلا عبد مثلكم لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب وعلم أحوال هذه القرون مثبت عند ربي {في كتاب} هو اللوح المحفوظ ويجوز أن يكون ذلك تمثيلاً لتمكنه في علمه تعالى بما استحفظه العالم وقيده بالكتابة ويؤيده قوله {لا يضلّ ربي ولا ينسى} والضلال أن يخطئ الشيء في مكانه فلم يتهد إليه ، والنسيان أن يذهب عنه بحيث لا يخطر بباله ، وهما محالان على علام الغيوب بخلاف العبد الذليل والبشر الضئيل أي: لا يضل تعالى ولا ينسى كما تضلّ أنت وتنسى يا مدّعي الربوبية بالجهل والوقاحة ثم عاد إلى تتميم كلامه الأوّل وإبراز الدلائل الظاهرة على الوحدانية فقال
{الذي جعل لكم} في جملة الخلق {الأرض مهداً} أي: فراشاً
تنبيه: هذا الموصول في محل رفع صفة لربي وخبره محذوف تقديره هو ، أو منصوب على المدح. وقرأ عاصم وحمزة هنا وفي سورة الزخرف مهداً بفتح الميم وسكون الهاء أي: مهدها مهداً أو تتمهدونها فهي لهم كالمهاد وهو ما يمهد للصبيّ ، وقرأ الباقون بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها وهو اسم ما يمهد كالفراش أو جمع مهد {وسلك} أي: سهل {لكم فيها سبلاً} أي: طرقاً بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها {وأنزل من السماء ماءً} أي: مطراً وعدل بقوله {فأخرجنا به} عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى تنبيهاً على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته والحكمة وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته وعلى هذا نظائره كقوله تعالى: {ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها} (فاطر ،)
{أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق} (النحل ،)