{قال} الله تعالى لهما {لا تخافا إنني معكما} حافظكما وناصركما {أسمع وأرى} أي: ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل ، فأفعل ما يوجبه حفظي ونصري ، وقال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما فأمنع فلست بغافل عنكما فلا تهتما ، وقال القفال: قوله تعالى: {أسمع وأرى} يحتمل أن يكون مقابلاً لقوله تعالى {يفرط علينا أو أن يطغى} ؛ يفرط علينا بأن لا يسمع منا أو أن يطغى بأن يقتلنا ، قال تعالى: إنني معكما أسمع كلامكما فأسخره للاستماع منكما ، وأرى أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه ثم إنه سبحانه وتعالى أعاد ذلك التكليف فقال:
{فأتياه} لأنه سبحانه وتعالى قال في المرّة الأولى: {اذهبا إلى فرعون} (طه ،)
وفي الثانية قال: {اذهب أنت وأخوك} (طه ،)
وفي الثالثة قال: {اذهب إلى فرعون} (طه ،)
وفي الرابعة قال ههنا: فأتياه ، فإن قيل: إنه تعالى أمرهما في الثانية بأن يقولا له قولاً ليناً ، وههنا أمرهما بقوله تعالى: {فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل} أي: إلى الشام {ولا تعذبهم} أي: خل عنهم من استعمالك إياهم في أشغالك الشاقة كالحفر والبناء وحمل الثقيل وقطع الصخور وكان فرعون يستعملهم في ذلك مع قتل الأولاد وفي هذا تغليظ من وجوه ؛ الأول: قوله: إنا رسولا ربك ، وهذا يقتضي انقياده لهما والتزامه لطاعتهما وذلك يعظم على الملك المتبوع. الثاني: قولهما: فأرسل معنا بني إسرائيل فيه إدخال النقص على ملكه لأنه كان محتاجاً إليهم فيما يريده من الأعمال أيضاً. الثالث: قولهما: ولا تعذبهم. الرابع: قولهما {قد جئناك بآية من ربك} فما الفائدة في التليين أوّلاً والتغليظ ثانياً ؟
أجيب: بأنّ الإنسان إذا ظهر لجاجه فلا بدّ له من التغليظ حيث لم ينفع التليين.
فإن قيل: أليس الأولى أن يقول إنا رسولا ربك قد جئناك بآية فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم لأن ذكر المعجز مقروناً بالدعاء للرسالة أولى من تأخيره عنه؟.