لأن شَرْح الصدر في هذه المسألة لا يكفي ، فشَرْح الصدر من جهة الفاعل ، وقد يجد من القليل لَدَداً شديداً وعناداً ؛ لذلك قال بعدها: {وَيَسِّرْ لي أَمْرِي} [طه: 26] فلا أجد لَدَداً وطغياناً من فرعون ، فتيسير الأمر من جهة القابل للفعل بعد شرح الصدر عند الفاعل .
{وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) }
لأن الكلام وتبليغ الرسالة يحتاج إلى منطق ولسان مُنطلِق بالكلام ، وكان موسى عليه السلام لديه رُتَّة أو حُبْسَة في لسانه ، فلا ينطلق في الكلام .
وكانت هذه الرُّتَّة أيضاً في لسان الحسين بن علي رضي الله عنهما وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع الحسين يضحك ويقول:"ورثها عن عمه موسى".
وتلحظ دِقَّة التعبير في قوله: {مِّن لِّسَانِي} [طه: 27] ولم يقل: احلل عقدة لساني . فقد يُفهم منها أنه مُتمرِّد على قَدَر الله من حُبسة لسانه ، إنما هو لا يعترض ويطلب مجرد جزءٍ من لسانه ، يمَكِّنه من القيام بمهمته في التبليغ .
{يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) }
هذه هي العِلّة في طلبه ، ولولاها ما طلب انطلاقة اللسان . والفقه هو أن يفهموا الكلام والحديث عنه .
ويواصل موسى عليه السلام ما يراه مُعيناً له على أداء مهمته: {واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي}
وزيراً: أي: معيناً وظهيراً . والحق سبحانه وتعالى لما أراد أنْ يُخوِّف الناس من الآخرة قال: {كَلاَّ لاَ وَزَرَ * إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر} [القيامة: 1112] .
أي: لا ملجأ ولا معين تفزع إليه إلا الله ، فالوزير من (وَزَر) ، ويطلب الوزير حين لا يستطيع صاحب الأمر القيام به بمفرده ، فيحتاج إلى مَنْ يعينه على أمره ، وهو وزير إنْ كان ناصحاً أميناً يُعين صاحبه بصِدْق ، فإنْ كان غاشَّاً لئيماً يعمل لصالح نفسه ، فليس بوزير ، بل هو (وِزْر) ، ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [فاطر: 18] .