قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَرَدَ الْبِئْرَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْوَادِي الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي جَهَنَّمَ، فَدَخَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ لَاقَى خُسْرَانًا وَشَرًّا، حَسْبُهُ بِهِ شَرًّا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَسَوْفَ يَلْقَى هَؤُلَاءِ الْخَلَفُ السُّوءُ الَّذِينَ وُصِفَ صِفَتُهُمْ غَيًّا، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا فَرَاجَعُوا أَمْرَ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ {وَعَمِلَ صَالِحًا}
يَقُولُ: وَأَطَاعَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ عَنْهُ، وَأَدَّى فَرَائِضَهُ، وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ {فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ}
يَقُولُ: فَإِنَّ أُولَئِكَ مِنْهُمْ خَاصَّةً يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ دُونَ مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ عَلَى كُفْرِهِ، وَإِضَاعَتِهِ الصَّلَاةَ وَاتِّبَاعِهِ الشَّهَوَاتِ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا}
يَقُولُ: وَلَا يُبْخَسُونَ مِنْ جَزَاءِ أَعْمَالِهِمْ شَيْئًا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ هَلَكُوا مِنَ الْخَلَفِ السُّوءِ مِنْهُمْ قَبْلَ تَوْبَتِهِمْ مِنْ ضَلَالِهِمْ، وَقَبْلَ إِنَابَتِهِمْ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ فِي جَهَنَّمَ، وَلَكِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مَدْخَلَ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ {جَنَّاتِ عَدْنٍ} وَقَوْلُهُ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} نُصِبَ تَرْجَمَةً عَنِ الْجَنَّةِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} بَسَاتِينَ إِقَامَةٍ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: {الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ}
يَقُولُ: هَذِهِ الْجَنَّاتُ هِيَ الْجَنَّاتُ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْخُلُوهَا بِالْغَيْبِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهَا وَلَمْ يُعَايِنُوهَا، فَهِيَ غَيْبٌ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدَهُ مَأْتِيًّا}