يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ وَعْدُهُ، وَوَعْدُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَوْعُودُهُ، وَهُوَ الْجَنَّةُ مَأْتِيًّا يَأْتِيهِ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُوهَا اللَّهُ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: خَرَجَ الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ الْوَعْدَ هُوَ الْمَأْتِيُّ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي، وَلَمْ يَقُلْ: وَكَانَ وَعْدُهُ آتِيًا، لِأَنَّ كُلَّ مَا أَتَاكَ فَأَنْتَ تَأْتِيهِ، وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: أَتَيْتُ عَلَى خَمْسِينَ سَنَةً، وَأَتَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ سَنَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ،
وَقَدْ بَيَّنْتُ الْقَوْلَ فِيهِ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ {إِنَّهُ} مِنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَسْمَعُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِيهَا لَغْوًا، وَهُوَ الْهَذْي وَالْبَاطِلُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ {إِلَّا سَلَامًا} وَهَذَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، وَمَعْنَاهُ: وَلَكِنْ يَسْمَعُونَ سَلَامًا، وَهُوَ تَحِيَّةُ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُمْ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَهُمْ رَزَقَهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}
يَقُولُ: وَلَهُمْ طَعَامُهُمْ وَمَا يَشْتَهُونَ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ فِي قَدْرِ وَقْتِ الْبُكْرَةِ وَوَقْتِ الْعَشِيِّ مِنْ نَهَارِ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّ الَّذِيَ بَيْنَ غَدَائِهِمْ وَعَشَائِهِمْ فِي الْجَنَّةِ قَدْرُ مَا بَيْنَ غَدَاءِ أَحَدِنَا فِي الدُّنْيَا وَعَشَائِهِ، وَكَذَلِكَ مَا بَيْنَ الْعَشَاءِ وَالْغَدَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا لَيْلُ فِي الْجَنَّةِ وَلَا نَهَارٌ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: {خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} وَ {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} يَعْنِي بِهِ: مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا
[عن] زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ لَيْلٌ، هُمْ فِي نُورٍ أَبَدًا، وَلَهُمْ مِقْدَارُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، يَعْرِفُونَ مِقْدَارَ اللَّيْلِ بِإِرْخَاءِ الْحُجُبِ وَإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ، وَيَعْرِفُونَ مِقْدَارَ النَّهَارِ بِرَفْعِ الْحُجُبِ، وَفَتْحِ الْأَبْوَابِ.