وقد يُرَادُ بالسلام السلامة من الآفات التي عاينوها في الدنيا ، وهم في الآخرة سالمون منها ، فلا عاهة ولا مرضَ ولا كَدَّ ولا نصبَ . لكن نرجح هنا المعنى الأول أي: التحية ؛ لأن السلام في الآية مما يُسْمَع .
فإنْ قُلْتَ: فكيف يستثنى السلام من اللَّغْو؟ نقول: من أساليب اللغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم ، كأن نقول: لا عيبَ في فلان إلا أنه شجاع ، وكنت تنتظر أنْ نستثني من العيب عَيْباً ، لكن المعنى هنا: إنْ عددتَ الشجاعة عيباً ، ففي هذا الشخص عَيْب ، فقد نظرنا في هذا الشخص فلم نجد به عَيْباً ، إلا إذا ارتكبنا مُحَالاً وعددنا الشجاعة عيباً . وهكذا نؤكد مدحه بما يشبه الذم .
ومن ذلك قول الشاعر:
ولاَ عَيْبَ فِيهِم غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاع الكَتَائِبِ
ثم يقول تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 62] لم يقُل الحق سبحانه وتعالى: وعلينا رزقهم ، بل: ولهم زرقهم: أي أنه أمر قد تقرّر له وخُصِّص لهم ، فهو أمر مفروغ منه . والرزق: كُلُّ ما يُنتفع به ، وهو في الآخرة على قَدْر عمل صاحبه من خير في الدنيا .
ومن رحمة الله تعالى بعباده من أهل الجنة أنْ نزعَ ما في صدورهم من غِلٍّ ومن حسد ومن حقد ، فلا يحقد أحدٌ على أحد أفضل مرتبة منه ، ولا يشتهي من نعيم الجنة إلا على قَدْر عمله ودرجته ، فإنْ رأى مَنْ هو أفضل منه درجةً لا يجد في نفسه غِلاً منه ، أو حِقْداً عليه ؛ لأن موجب الغِلِّ في الدنيا أنْ ترى مَنْ هو أفضل منك .
أما في الآخرة فسوف ترى هذه المسألة بمنظار آخر ، منظار النفس الصافية التي لا تعرف الغلَّ ، قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] .