لذلك قال سبحانه: {فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة} [مريم: 60] دون أنْ يُعيَّروا بما فعلوه ؛ لأنهم صَدَقُوا التوبة إلى الله {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} [مريم: 60] وبقدر ما تكون التوبة صادقة ، والندم عليها عظيماً ، وبقدر ما تلوم نفسَك ، وتسكب الدمْع على معصيتك بقدر ما يكون لك من الأجر والثواب ، وبقدر ما تُبدَّل سيئاتك حسناتٍ . وكُلُّ هذا بفضل الله وبرحمته .
ثم يقول الحق سبحانه: {جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن}
قوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} [مريم: 61] أي: إقامة دائمة ؛ لانك قد تجد في الدنيا جنات ، وتجد أسباب النعيم ، لكنه نعيم زائل ، إمّا أنْ تتركه أو يتركك . إذن: فكُلُّ نعيم الدنيا لا ضامنَ له .
وجنات عَدْن ليست هي مساكن أهل الجنة ، بل هي بساتين عمومية يتمتع بها الجميع ، بدليل أن الله تعالى عطف عليها في آية أخرى (وَمَسَاكِنَ طَيِّبةً) في قوله تعالى: {وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72] .
وقوله: {التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب} [مريم: 61] والوعْد: إخبار بخير قبل أوانه ؛ ليشجع الموعود على العمل لينالَ هذا الخير ، وضِدّه الوعيد: إخبار بشَرٍّ قبل أوانه ليحذره المتوعد ، ويتفادى الوقوع في أسبابه .
واختبار هنا اسم الرحمن ليُطمئِنَ الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي أن ربهم رحمن رحيم ، إنْ تابوا إليه قبلهم ، وإنْ وعدهم وَعْداً وَفَى . وقد وعدنا الله تعالى في قرآن فآمنّا بوعده غيْباً {وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب} [مريم: 61] .