(قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) ناداه باسمه ولم يقابل يا أبت بيا بني وأخره وقدم الخبر على المبتدأ. وصدره بهمزة الاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب، ولإنكار نفس الرغبة كأنها مما لا يرغب عنها عاقل. والمعنى أمعرض أنت عن ذلك ومنصرف إلى غيره. ثم توعده وهدده فقال: (لئن لم تنته) عن مقالتك فيها أو الرغبة عنها، واللام للقسم (لأرجمنك) بالحجارة حتى تموت، وقيل باللسان فيكون معناه لأشتمنك. قاله ابن عباس، وقيل معناه لأضربنك وقيل لأبعدنك عني بالقول القبيح، وقيل لأظهرن أمرك فاحذرني (واهجرني ملياً) أي زماناً طويلاً. وقال ابن عباس حيناً. قال الكسائي: يقال هجرته ملياً وملوة وملاوة، بمعنى الملاوة من
الزمان وهو الطويل.
وقيل معناه اعتزلني سالم العرض سوياً لا تصيبك مني معرة، واختار هذا ابن جرير وعن ابن عباس قال: اجتنبني سوياً واجتنبني سالماً قبل أن تصيبك مني عقوبة وعن عكرمة: ملياً دهراً، وعن قتادة: سالماً، وعن الحسن مثله، فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على العناد
(قال سلام عليك) أي تحية توديع ومقاطعة ومتاركة، كقوله تعالى: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.
وقيل معناه أمنة مني لك. قاله ابن جرير. وإنما أمنه مع كفره لأنه لم يؤمر بقتاله والأول أولى وبه قال الجمهور.
وقيل معناه الدعاء له بالسلامة استمالة له ورفقاً به، وهذا في مقابلة قوله: لئن لم تنته، وهذا مقابلة للسيئة بالحسنة. ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من الله سبحانه تألفاً له وطمعاً في لينه وذهاب قسوته.
والشيخ لا يترك أخلاقه حتى ... يوارى في ثرى رمسه