قال تعالى: {وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان: 53] ، فهذا الملحُ الأجاجُ مِن خَلْق الله، ومِن إرادة الله عزَّ وجل، {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} [الفرقان: 53] ، فلا يبغي هذا على هذا، ولو أن نهراً عذباً صُبَّ في بحرٍ لَسَارَ عشراتٍ، بل مئاتِ الكيلو مترات، وبقي عذباً، لأنّ بَيْنَ البَحْريْنِ برزخاً ما زالتْ طبيعتُه مجهولةً حتى الآن.
أمّا: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} [الفرقان: 53] فإنّ الحِجْرَ يمنعُ انتقالَ أسماكِ المياهِ العذبةِ إلى المياهِ المالحة، والعكسُ صحيحٌ.
يقولُ اللهُ عز وجل في سورة الواقعة: {أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 68 - 70] ، فلو شاء لجعله أجاجاً كمياهِ البحرِ ... أفلا تشكرون هذه النعمةَ؟!!
آيةٌ ثالثة، قال سبحانه: {وَمَا يَسْتَوِي البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12] .
ثمَّةَ قصصٌ كثيرةٌ تتحدَّثُ عن موتِ ألوفِ الأشخاصِ في مياهِ البحرِ عطشاً، فقد تغرقُ السفنُ، وينجو بعضُ ركَّابِها، ويركبون سفينةَ النجاةِ، لكنَّهم يموتون عطشاً، وهم على ظهرِ البحرِ، إذاً: {وَمَا يَسْتَوِي البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12] .