وهو قَوْل يحمل التنبؤ بما حدث في البيت الحرام على يد عمرو ابن لُحَيٍّ الذي أدخل عبادة الأصنام إلى الكعبة ، وهو قَوْل يحمل تنبؤاً من إبراهيم عليه السلام .
ولقائل أنْ يسألَ: وكيف يدعو إبراهيم بذلك ، وهو النبي المعصوم؟ كيف يطلب من الحق أن يُجنِّبه عبادة الأصنام؟
وأقول: وهل العصمة تمنع الإنسان أن يدعوَ ربه بدوام ما هو عليه؟ إننا نتلقى على سبيل المثال الأمر التكليفي منه سبحانه: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ...} [النساء: 136] .
وهو أَمرْ بالمداومة .
والحق سبحانه قد قال على لسان رسوله شعيب - عليه السلام -: {قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا ...} [الأعراف: 89] .
وفي هذا القول ضراعة إلى المُنعِم علينا بنعمة الإيما ؛ وفي هذا القول الكريم أيضاً إيضاحٌ لطلاقة قدرة الحق سبحانه .
ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا: {واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام} [إبراهيم: 35] .
والصنم غير الوثن ، فالمُشكَّل بشكل إنسان هو الصنم ؛ أما قطعة الحَجَرِ فقد والتي خَصَّها بعضٌ من أهل الجاهلية بالعبادة فهو الوثن .
وهناك مَنْ أراد أنْ يخرج بِنَا من هذا المأزِق ؛ فقال: إن الكفر نوعان . شرك جَلي ؛ وشرك خفيّ . والشرك الجليّ أن يعبدَ الإنسانُ أي كائن غير الله ؛ والشرك الخفيّ أن يُقدّس الإنسانُ الوسائطَ بينه وبين الله ، ويعطيها فوق ما تستحق ، وينسب لها بعضاً من قدرات الله .
ودعاء إبراهيم عليه السلام أن يُجنِّبه وبنيه أنْ يعبدوا الأصنامَ يقتضي مِنّا أن نفهم معنى كلمة أبناء ؛ ذلك أن إبراهيم قصد بالدعاء بنية الذين يَصِلُون إلى مرتبة الرسالة والنبوة مثله ؛ ذلك أننا نعلم أن بعضاً من بنية قد عبدوا الأصنام والأوثان .