وقال الثوري: من كل عِرْق، وهذا قول أكثر المفسرين: جعلوا المكان من جسده، وروى عن ابن عباس في قوله من كل مكان: أي من كل جهة؛ من عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته، ومن قدامه وخلفه.
وقوله تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد أمامه يوم القيامة.
وقال الكلبي: يقول من بعد الصديد عذاب غليظ، وهذا اختيار أبي إسحاق وأبي بكر؛ قال أبو إسحاق: أي ومن بعد ذلك، وقال أبو بكر: ومن بعد هذا العذاب المذكور عذاب غليظ، ومعنى غِلَظِ العذاب: اتصال الآلام وكثرتها؛ كالشيء الغليظ الذي كثر أجزاؤه وتكاثف، كما قلنا في: {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 7]
18 -قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية. اختلفوا في الرفع للمثل، فقال الزجاج: هو مرفوع على معنى: وفيما يتلى عليكم، وهذا مذهب سيبويه. وقال الفراء: التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، فحذف المضاف اعتمادًا على ذكره بعد المضاف إليه، وذلك أن العرب تقدِّم المضاف إليه لأنه أعرف، ثم يأتي بالذي يخبر به عنه معه كهذه الآية، ألا ترى أنه قدَّم (الذين) ثم ذكر بعده الأعمال مضافة إلى الكناية عن الذين؛ كقوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7] أي: خَلْقَ كُلِّ شيء ، ومثله قوله: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60] المعنى: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودَّة، وفي هذا أقوال ووجوه ذكرناها مستقصاة في قوله: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [آية: 35] في سورة الرعد.
وقوله تعالى: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} قال الليث: الرَّمادُ دُقاق الفحم من حراقةِ النار، وصار الرَّمادُ رمادًا إذا صار هباءًا أدق ما يكون، ورمَّد اللحمَ، إذا ألقاه في الرماد، ومنه المثل: شَوى أَخُوك حتى إذا أنْضَجَ رَمَّدَ.