إن الله عليم بأفعالهم، فيجازيهم على كل فعل منها، كتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلّم، مع قيام الأدلة القطعية على صدقه، وتقليد الآباء والأجداد بدون حجة أو دليل. وهذا تهديد لهم ووعيد شديد لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء.
والخلاصة: أن مجموعات، الآيات السابقة اشتملت على حجج ثلاث للاستدلال على وجود الله تعالى: الأولى- أنه الرازق الموجد السمع والبصر خالق الموت والحياة، والثانية- أنه خالق الإنسان والسموات والأرض وما بينهما، والثالثة-
أنه القادر على الهداية. والاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ثم بالهداية ثانيا: عادة مطردة في القرآن.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت هذه الآيات من أجل إثبات البعث على توبيخين للمشركين وتهديد.
أما التوبيخ الأول: فهو على عبادتهم شركاء عاجزين عن الخلق بدءا وإعادة، فكيف تصح تلك العبادة؟ وكيف تنقلبون أيها المشركون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل؟
وبما أن الحق تعالى هو القادر على الخلق، فخلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق الإنسان من تراب ثم من نطفة ثم من علقة دم، وهو قدير على إعادته، فيجب الإيمان بالبعث إيمانا لا يخالجه أي شك أو ريبة.
وأما التوبيخ الثاني: فهو أيضا على اتخاذ الشركاء آلهة معبودة مع أنهم لا يستطيعون هداية أنفسهم ولا غيرهم، فيكون الأحق بالعبادة والتوحيد هو الله تعالى القادر على الإرشاد إلى الطريق المستقيم الذي هو القرآن ودين الإسلام ..
فما لكم كيف تحكمون، أي فأي شيء لكم في عبادة الأوثان، وكيف ترضون لأنفسكم وعقولكم وتقضون بهذا الباطل الصراح، تعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئا إلا أن يفعل بها، والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته؟
وأما التهديد: فهو على الكفر والتكذيب: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ وسيجازيكم عليه.
ودلت آية إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً على أنه لا يكتفى بالظن في
العقائد، وعلى أن تحصيل العلم واليقين في الأصول واجب، وأما الاكتفاء بالتقليد والظن فيها فهو غير جائز لأن أصول الإيمان أساسية، فتبني على اليقين، ولا يجدي فيها الظن، وإنما يكفي هذا في فروع الأعمال.