وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ في عبادة الأصنام، والمراد بالأكثر الجميع، أو الذي عنده تمييز ونظر ولا يرضى بالتقليد. إِلَّا ظَنًّا وهو تقليد الآباء بالاعتماد على خيالات فارغة وقياسات فاسدة، كقياس الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة. إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً أي لا يفيد الظن فيما يطلب فيه العلم والاعتقاد الحق. شَيْئاً من الإغناء. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ فيجازيهم عليه.
المناسبة:
انتقل الله تعالى فورا في بيانه من إثبات التوحيد إلى إثبات البعث، من طريق معرفة القادر ابتداء على خلق الإنسان وخلق السموات والأرض، وأن الإعادة كالابتداء، ثم عرض الأمر على العقلاء في بيان الأحق بالاتباع أهو الله الذي يخلق الاهتداء والتوفيق إليه، أم المحتاج إلى هداية غيره؟
وصيغ البيان أو الحجة بطريق السؤال والاستفهام لأنه أوقع في النفس، وأبلغ تأثيرا على القلب.
التفسير والبيان:
قل للمشركين أيها الرسول: من الذي بدأ خلق السموات والأرض، ثم أنشأ ما فيهما من الخلائق؟ هل يستطيع أحد غير الله ذلك؟ سواء كان صنما أو وثنا أو كوكبا أو ملكا أو جنّا أو رسولا أو غيرهم؟ ومن يقدر أن يعيد الخلق خلقا جديدا؟
وبما أنهم بسبب اللجاج والمكابرة لا يؤمنون بالبعث والمعاد، فلم يجيبوا كما أجابوا عن الأسئلة الخمسة المتقدمة، فأجابهم الله تعالى بقوله: قُلِ: اللَّهُ ...
أي قل أيها الرسول: الله هو القادر على بدء الخلق وإعادته لأن القادر على البدء قادر على الإعادة، فهو سبحانه وتعالى الذي يفعل هذا ويستقل به وحده لا شريك له. علما بأنهم يعترفون بأن المبدئ والمعيد في النباتات هو الله، لما يشاهدونه من تكرار بدء ظهور النبات بالمطر في فصل الشتاء، ثم موته في الصيف، ثم عودته إلى الظهور في الشتاء القادم مرة أخرى. ولكنهم ينكرون إعادة الحياة في الأحياء الحيوانية من إنسان وغيره.
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟ أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل وعن الحق وهو التوحيد إلى الضلال وهو الإشراك وعبادة الأصنام؟