وَالَّذِي أُرِيدُ أَنْ أُذَكِّرَ بِهِ كُلَّ مُسْلِمٍ هُنَا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ الْآنَ فِي الْأَرْضِ دِينٌ مُتَّبَعٌ . وَلَا قَانُونٌ دَوْلِيٌّ مُنَفَّذٌ ، وَلَا نِظَامٌ حِزْبِيٌّ وَلَا جَمَاعِيٌّ مُلْتَزَمٌ يَفْرِضُ عَلَى النَّاسِ الْحَقَّ وَالْهُدَى فَرْضًا دِينِيًّا ، وَالِاعْتِمَادُ فِي اسْتِبَانَتِهِمَا عَلَى الْعِلْمِ الصَّحِيحِ ، وَحَصْرِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّرْجِيحِ فِيمَا سِوَاهُمَا .
وَالِاعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى الْوِجْدَانِ فِي الشَّخْصِيَّاتِ ، وَالشُّورَى فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ . وَلَنْ يَصْلُحَ حَالُ الْبَشَرِ الْفَرْدِيُّ وَلَا الِاجْتِمَاعِيُّ وَالدَّوْلِيُّ إِلَّا بِهَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي فَرَضَهَا الْإِسْلَامُ ، وَجَعَلَهَا دِينًا يُدَانُ اللهُ بِهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ تَجَاوُزُهُ ، وَقَدْ عَجَزَتْ عُلُومُ الْبَشَرِ عَلَى اتِّسَاعِهَا ، وَعُقُولُهُمْ عَلَى ارْتِقَائِهَا عَنِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِغَيْرِهَا ، فَهُمْ كُلَّمَا ازْدَادُوا عِلْمًا يَزْدَادُونَ بَاطِلًا وَضَلَالًا وَبَغْيًا ، خِلَافًا لِدُعَاةِ حَضَارَتِهِمُ الْكَاذِبِينَ .
قَالَ شَيْخُ فَلَاسِفَةِ الْأَخْلَاقِ وَعِلْمِ الِاجْتِمَاعِ فِي هَذَا الْقَرْنِ (وَهُوَ هِرْبِرْت سِبِنْسَر الْإِنْكِلِيزِيُّ) لِحَكِيمِ الْإِسْلَامِ شَيْخِنَا الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ ؟ إِنَّ فَكْرَةَ الْحَقِّ قَدْ زَالَتْ مِنْ عُقُولِ أُمَمِ أُورُبَّةَ أَلْبَتَّةَ ، فَلَا يَعْرِفُونَ حَقًّا إِلَّا لِلْقُوَّةِ ، وَإِنَّ الْأَفْكَارَ الْمَادِّيَّةَ قَدْ أَفْسَدَتْ أَخْلَاقَهُمْ ، وَإِنَّهُ لَا يَرَى مِنْ سَبِيلٍ إِلَى عِلَاجِهِمْ ، وَإِنَّهُ لَا يَزَالُ بَعْضُهُمْ يَخْتَبِطُ بِبَعْضٍ - وَلَعَلَّهُ ذَكَرَ الْحَرْبَ - لِيَتَبَيَّنَ أَيُّهُمُ الْأَقْوَى لِيَسُودَ الْعَالَمَ .