أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ أي قوم شعيب وَالْمُؤْتَفِكاتِ أي مدائن قوم لوط ومعنى ائتفاكهن: انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي فما صح منه أن يظلمهم بإهلاكهم؛ لأنه حكيم فلا يعاقبهم بغير جرم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالكفر وتكذيب الرسل، وبعد أن وصف الله المنافقين وجعل مثلهم مثل من قبلهم في الخوض بالباطل والاستمتاع، ولفت نظرهم إلى
ما أصاب الأمم الظالمة،
بعد هذا كله وصف الله المؤمنين الخلص وما أعد لهم فقال وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي في التناصر والتراحم، فهم يد على من سواهم، يتناصرون فيما بينهم، ويحاربون من عداهم، ونعوذ بالله من حال أهل عصرنا، فقد أصبح أبناء المسلمين بعضهم أعداء بعض، كل ينصر طبقة من طبقات الكفر والنفاق والفسوق يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يحبون المعروف ويأمرون به، ويكرهون المنكر وينهون عنه، ونعوذ بالله من حال لا يدعى فيه إلى خير، ولا ينهى فيها عن شر وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ في كل ظرف، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ لأهلها، ونعوذ بالله من حال تقام بها الصلاة على الكسل والظرف، وتؤدى الزكاة - إن أديت - لغير أهلها وَيُطِيعُونَ اللَّهَ في كتابه وَرَسُولَهُ في أمره وسنته أُولئِكَ أي من اتصف بهذه الصفات سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ في الدنيا والآخرة، ومن رحمته إياهم في الدنيا أن يؤلف بين قلوبهم. ومن رأى حال المسلمين في عصرنا في تقصير عامة أفرادهم بمجموع هذه الصفات، عرف سبب تردي أحوالهم وكثرة اختلافهم. إن علينا أن نراعي في تربية أنفسنا وغيرنا التحقق بمجموع هذه الصفات، ووجود السين في قوله تعالى سَيَرْحَمُهُمُ يفيد وجود الرحمة لا محالة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي غالب على كل شيء، قادر عليه، فهو يقدر على الثواب والعقاب حَكِيمٌ أي واضع كلا من الثواب والعقاب موضعه