وقال الفخرى الرازي ما ملخصه: «وفيه تنبيه على أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة، فالله - تعالى - بيّن أنهم في عين الفتنة واقعون، لأن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله وبرسوله، والتمرد على قبول التكاليف التي كلفنا الله بها .. » .
وقوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ وعيد وتهديد لهم على أقوالهم وأفعالهم.
أي: وإن جهنم لمحيطة بهؤلاء الكافرين بما جاء من عند الله، دون أن يكون لهم منها مهرب أو مفر.
وعبر عن إحاطتها بهم باسم الفاعل الدال على الحال، لإفادة تحقيق ذلك حتى لكأنه واقع مشاهد.
قالوا: ويحتمل أنها محيطة بهم الآن، بأن يراد بجهنم الأسباب الموصلة إليها من الكفر والنفاق وغير ذلك من الرذائل التي سقطوا فيها.
وقوله: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ .. بيان لنوع آخر من خبث نواياهم، وسوء بواطنهم.
أي: «إن تصبك» يا محمد حسنة من نصر أو نعمة أو غنيمة - كما حدث يوم بدر - «تسؤهم» تلك الحسنة، وتورثهم حزنا وغما، بسبب شدة عداوتهم لك ولأصحابك.
«وإن تصبك مصيبة» من هزيمة أو شدة - كما حدث يوم أحد - «يقولوا» باختيال وعجب وشماتة «قد أخذنا أمرنا من قبل» .
أي: قد تلافينا ما يهمنا من الأمر بالحزم والتيقظ، من قبل وقوع المصيبة التي حلت بالمسلمين، ولم نلق بأيدينا إلى التهلكة كما فعل هؤلاء المسلمون.
وقوله: وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ تصوير لحالهم، ولما جبلوا عليه من شماتة بالمسلمين.
أي: عند ما تصيب المسلمين مصيبة أو مكروه، ينصرف هؤلاء المنافقون إلى أهليهم وشيعتهم - والفرح يملأ جوانحهم - ليبشروهم بما نزل بالمسلمين من مكروه.
قال الجمل: فإن قلت: فلم قابل الله الحسنة بالمصيبة، ولم يقابلها بالسيئة كما قال في سورة آل عمران: «وإن تصيبكم سيئة يفرحوا بها» ؟.
قلت: لأن الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم وهي في حقه مصيبة يثاب عليها، لا سيئة يعاتب عليها، والتي في آل عمران خطاب للمؤمنين».
وقوله: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا .. إرشاد للرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجواب الذي يكبتهم ويزيل فرحتهم.