فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 200543 من 466147

كيف تخلص هذا الدن الواحد من جملة الدنان؟ فقلت: في تخلصه علة أخبر بها أمير

المؤمنين إن أذن، فقال: هات أخبرني، فقلت: يا أمير المؤمنين إني أقدمت على

الدنان بمطالبة الحق سبحانه لي بذلك، وغمر قلبي شاهد الإجلال للحق وخوف

المطالبة فغابت هيبة الخلق عني فأقدمت عليها بهذه الحالة إلى أن صرت إلى هذا

الدن فاستشعرتْ نفسي كبرًا على أني أقدمت على مثلك. فمنعت، ولو أقدمت عليه

بالحال الأول وكانت ملء الدنيا دنان لكسرتها ولم أبال، فقال المعتضد: اذهب فقد

أطلقنا يدك، غَيِّرْ ما أحببت أن تغيره من المنكر، قال أبو الحسن: فقلت: يا أمير

المؤمنين بَغُضَ إليَّ التغيير؛ لأني كنت أغير عن الله تعالى وأنا الآن أغير عن

شرطي، فقال المعتضد: ما حاجتك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين تأمر بإخراجي سالمًا،

فأمر له بذلك، وخرج إلى البصرة فكان أكثر أيامه بها خوفًا من أن يسأله أحد حاجة

يسألها المعتضد، فأقام بالبصرة إلى أن توفي المعتضد ثم رجع إلى بغداد.

فهذه كانت حالة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة

مبالاتهم بسطو السلاطين، لكنهم اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم ورضوا

بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة. فلما أخلصوا لله النية أثر كلامهم في القلوب

القاسية فَلَيَّنَهَا وأزال قساوتها، وأما الآن فقيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا وإن

تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا، ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا،

ففساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستيلاء

حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل

فكيف على الملوك والأكابر؟ والله المستعان على كل حال اهـ.

(المنار)

هذا كلام الإمام الغزالي في ملوك عصره وعلمائه وهم الذين يفتخر أهل هذا

العصر بهم، فكيف حال ملوك عصرنا وعلمائه والذين أضاعوا الدنيا والدين،

وجعلوا المسلمين بظلمهم وفسادهم في أسفل سافلين؟ ولا نطيل هنا في وصفهم

فحسبك ما تقرأ في المقال الآتي، ولكننا نقول: إن الزمان لا يخلو من العلماء

المخلصين، وهؤلاء هم الذين ندعوهم إلى نصيحة ملوكنا وأمرائنا قبل أن يضيعوا

هذه البقية القليلة التي بقيت لنا، فالخطر قريب إن لم يتداركوه نزل، والعياذ بالله

تعالى. انتهى انتهى {مجلة المنار، جمادى الآخرة 1324 هـ، للشيخ/ محمد رشيد رضا} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت