واسما الإشارة يعودان على المتصفين بتلك الصفات القبيحة من السابقين واللاحقين.
أي: أولئك المستمتعون بنصيبهم المقدر لهم في الشهوات الخسيسة، والخائضون في الشرور والآثام «حبطت أعمالهم» أي: فسدت وبطلت أعمالهم التي كانوا يرجون منفعتها «في الدنيا والآخرة» لأن هذه الأعمال لم يكن معها إيمان أو إخلاص، وإنما كان معها الرياء
والنفاق، والفسوق والعصيان، والله - تعالى - لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم.
وقوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي: الكاملون في الخسران، الجامعون لكل ما من شأنه أن يؤدى إلى البوار والهلاك.
ثم ساق لهم - سبحانه - من أخبار السابقين ما فيه الكفاية للعظة والاعتبار لو كانوا يعقلون، فقال - تعالى -: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ....
والاستفهام للتقرير والتحذير. والمراد بنبإ الذين من قبلهم: أخبارهم التي تتناول أقوالهم وأعمالهم، كما تتناول ما حل بهم من عقوبات، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم.
والمعنى: ألم يصل إلى أسماع هؤلاء المنافقين، خبر أولئك المهلكين من الأقوام السابقين بسبب عصيانهم لرسلهم، ومن هؤلاء الأقوام «قوم نوح» الذين أغرقوا بالطوفان، وقوم «عاد» الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية، وقوم «ثمود» الذين أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، «وقوم إبراهيم» الذين سلب الله نعمه عنهم، وأذل غرور زعيمهم الذي حاج إبراهيم في ربه، «وأصحاب مدين» وهم قوم شعيب الذين أخذتهم الصيحة، «والمؤتفكات» وهم أصحاب قرى قوم لوط، التي جعل الله عاليها سافلها ...
والائتفاك: معناه الانقلاب بجعل أعلى الشيء أسفله. يقال: أفكه يأفكه إذا قلبه رأسا على عقب.
وذكر - سبحانه - هنا هذه الطوائف الست، لأن آثارهم باقية، ومواطنهم هي الشام والعراق واليمن، وهي مواطن قريبة من أرض العرب، فكانوا يمرون عليها في أسفارهم، كما كانوا يعرفون الكثير من أخبارهم.
قال - تعالى -: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ.
وقوله: أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ كلام مستأنف لبيان أنبائهم وأخبارهم.