والمعنى: أي وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم، فأنتم فعلتم بدينكم ودنياكم كما فعل الذين كانوا من قبلكم، ولم تفضلوا عليهم بشيء ٍ من الاسترشاد بكلام الله وهدي رسوله، إذ لم تعلموا شيئًا من الفضائل التي تزكي النفوس وتجعلها أهلًا للسعادة، فكنتم أجدر بالعقاب منهم؛ لأنهم أوتوا من القوة والأموال فوق ما أوتيتم، ولم يروا من آيات الله ما رأيتم.
فَإِنْ قُلْتَ: ما فائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرةً ثم في حق المنافقين ثانيًا ثم تكريره في حق الأولين ثالثًا، والثاني مغن عن الأول؟
قلت: فائدة ذكر الاستمتاع في الأولين أولًا: تمهيدٌ لذم حال المخاطبين، بأن قرر وبين حال الأولين، ثم عاد فشبه حال المنافقين بحالهم، فيكون ذلك بيانًا لوجه الشبه، وتكريره ثانيًا تأكيدٌ ومبالغةٌ في ذم المخاطبين، وتقبيح حالهم، ولم يسلك هذه الطريقة في التشبيه الثاني، وهو قوله: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} حيث لم يقل: وخاضوا وخضتم كخوضهم، اكتفاءًا بالتمهيد الأول فاستغنى عن ذكر التمهيد في التشبيه الثاني. اهـ"زاده"بتصرف.
وقوله: {وَخُضْتُمْ} معطوف على قوله: واستمتعتم؛ أي: وخضتم أيها المنافقون المعاصرون لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، ودخلتم أشد الدخول في إيذاء الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين وفي الطعن بالإسلام {كَالَّذِي خَاضُوا} ؛ أي: خوضًا كخوض الفريق الذي خاضوا في تكذيب أنبيائهم وطعنهم من الذين كانوا من قبلكم؛ أي: ودخلتم في الباطل، كما دخلوا فيه مع ما بين حالكم وحالهم من الفوارق التي كانت تقتضي أن تكونوا أهدى منهم سبيلًا.
{أُولَئِكَ} المستمتعون بخلاقهم وحظوظهم، والخائضون في الأباطيل، فالإشارة إلى كل من المشبهين والمشبه بهم، فهي لمجموع الفريقين {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} ؛ أي: بطلت حسناتهم بسبب الفقر، والانتقال من العز إلى الذل، ومن القوة إلى الضعف، وبسبب الموت وفي الآخرة بسبب أنهم يعاقبون أشد العقاب.