ورفعه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخُدْري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
فكان هذا الحديث مفسِّراً لمعنى الآية ، وأنه يجوز لبعض الأغنياء أخذها ، ومفسِّراً لقوله عليه السلام:"لا تحلّ الصدقة لغنيّ ولا لذي مِرّة سَوِيّ"لأن قوله هذا مجمل ليس على عمومه بدليل الخمسة الأغنياء المذكورين.
وكان ابن القاسم يقول: لا يجوز لغني أن يأخذ من الصدقة ما يستعين به على الجهاد وينفقه في سبيل الله ، وإنما يجوز ذلك لفقير.
قال: وكذلك الغارم لا يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يقي به ماله ويؤدّي منها دينه وهو عنها غنيّ.
قال: وإذا احتاج الغازي في غزوته وهو غنيّ له مال غاب عنه لم يأخذ من الصدقة شيئاً ويستقرض ، فإذا بلغ بلده أدى ذلك من ماله.
هذا كله ذكره ابن حبيب عن ابن القاسم ، وزعم أن ابن نافع وغيره خالفوه في ذلك.
وروى أبو زيد وغيره عن ابن القاسم أنه قال: يُعَطى من الزكاة الغازي وإن كان معه في غزاته ما يكفيه من ماله وهو غنيّ في بلده.
وهذا هو الصحيح ؛ لظاهر الحديث:"لا تحلّ الصدقة لغني إلا لخمسة"وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطى منها الغزاة ومواضع الرّباط فقراء كانوا أو أغنياء.
الثالثة والعشرون قوله تعالى: {وابن السبيل} السبيل الطريق ، ونُسب المسافر إليها لملازمته إياها ومروره عليها ؛ كما قال الشاعر:
إن تسألوني عن الهوى فأنا الهوى ...
وابن الهوى وأخو الهوى وأبوهُ
والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره وماله ؛ فإنه يُعْطَى منها وإن كان غنياً في بلده ، ولا يلزمه أن يشغل ذمّته بالسّلف.
وقال مالك في كتاب ابن سُحنون: إذا وجد من يسلفه فلا يعطَى.
والأول أصح ؛ فإنه لا يلزمه أن يدخل تحت مِنَّة أحد وقد وجد مِنَّة الله تعالى.
فإن كان له ما يغنيه ففي جواز الأخذ له لكونه ابن السبيل روايتان: المشهور أنه لا يعطى ؛ فإن أخذ فلا يلزمه ردّه إذا صار إلى بلده ولا إخراجه.