جهدكما، لا أرعى اللَّه عليكما إن رعيتما.
ونحن نذهب إلى هذا الحديث؛ لأن أبا بكر لم ينكر على عمر قوله وفعله، فصار ذلك وفاقًا منه له، فكفى بقولهما حجة لنا.
ولنا في ذلك وجهان من الحجج:
أحدهما: أن النبي - عليه السلام - كان يعاهد قومًا وهو إلى مداراتهم ومعاهدتهم محتاج؛ لما ذكرنا من قلة أهل الإسلام وضعفهم، فلما أعز اللَّه الإسلام وأكثر أهله ردّ إلى أهل العهود عهودهم، ثم أمر بمحاربتهم جميعًا.
والثاني: ما قال اللَّه - تعالى -: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) ، فكانت الحال الثانية التي عز فيها الإسلام وقوي أهله وعزوا مخالفة للحال الأولى في هذه الأشياء، فكذلك أمر المنافقين جائز الرضا في الحال الأول محظور في الحال الثانية، واللَّه أعلم.
وفي الآية دلالة جواز النسخ بالاجتهاد؛ لارتفاع المعنى الذي به كان؛ ليعلم أن النسخ قد يكون بوجوه.
وفي خبر أبي بكر، وعمر - رضي اللَّه عنهما - دلالة أن إذن الإمام شرط في إحياء الأرض الموات التي لا تملك إلا بالإذن؛ لأن ذَيْنَك الرجلين اللذين أتيا أبا بكر، والأرض لا كلأ فيها، وذلك صورة أرض الموات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي الرِّقَابِ) .
اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: معناه: العتق، ويجوز أن يعتق عن الزكاة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم المكاتبون، يستأدونهم في كتابتهم، وقالوا: لا يشبه الإعتاق ما يدفع إلى المكاتب فيؤدي فيعتق؛ لأن العتق ليس بتمليك، وإنما هو إبطال ملك، وما يدفع إلى المكاتب فهو تمليك، فذلك مختلف، وإنما تكون الزكاة زكاة إذا زالت من مالك إلى مالك.
والثاني: أن العتق يوجب الولاء للمعتق، فحقه فيه باق، والذي يديم الزكاة إلى مكاتب لغيره لا يرجع إليه بذلك حق، ولا يجب فيه ولاء، فهما مختلفان.