(لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش، أصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة. فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا، ففعلوا. فقال:
ففيهم - كما ذكر ابن عباس - أنزل الله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ إلى قوله هُمُ الْخاسِرُونَ وكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، والحكم بن عيينة، وقتادة، والسدي، وابن أبزى، أنها نزلت في أبي سفيان، ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر. قال ابن كثير:
وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون
أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق. فسيفعلون ذلك. ثم تذهب أموالهم، ثم تكون عليهم حسرة (أي ندامة) حيث لم يجد شيئا، لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق. والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومعل كلمته، ومظهر دينه على كل دين. فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوؤه، ومن قتل منهم، أو مات فإلى الخزي الأبدي، والعذاب السرمدي).
المعنى الحرفي للمجموعة الثالثة:
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا عن كفرهم وصدهم عن سبيل الله يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من كفرهم وعملهم السيئ ومن ذلك صدهم وقتالهم وَإِنْ يَعُودُوا أي وإن يستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والصد والقتال فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أي سنة الله فيهم بالعذاب في الدنيا، إما بأيدي المؤمنين، أو بالإهلاك ثم بالعذاب في الآخرة. والآية تدل على أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي، وبه احتج أبو حنيفة رحمه الله في أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة.