«وبعد الوقفة للتعقيب على مصارع قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب تجئ قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه أولا، ثم مع قومه بني إسرائيل أخيرا .. وتشغل قصة موسى في هذه السورة أوسع مساحة وأكبر قدر شغلته في سورة واحدة من سور القرآن كلها، وقد وردت حلقات من قصة بني إسرائيل
في مواضع كثيرة، وذلك عدا الإشارات القصيرة إليها في مواضع من القرآن أخرى ..
وكانت أكثر القصص ورودا في القرآن كله - ولعل ذلك التفصيل في قصة هذه الأمة كان للحكمة التي أشرنا إليها من قبل - في هذه الظلال - في الجزء السادس في صحفتي (124 - 125) على النحو التالي:
«من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء
والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها، فقد كانوا حربا على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول، هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة، وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا، وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة، وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم، كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة، وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة، فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة لتعرف من هم أعداؤها: ما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم؟
وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم؟ ولقد علم الله أنهم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله، كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا ووسائلهم كلها مكشوفة.