«ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير. وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة طويلة، ووقعت الانحرافات في عقيدتهم، ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق الله معهم، ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف، كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم ... فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة - وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم وتقلبات هذا التاريخ، وتعرف مزالق الطريق وعواقبها، ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم؛ لتضم هذه التجربة - في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها، وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون. ولتتقي - بصفة خاصة - مزالق الطريق ومداخل الشيطان وبوادر الانحراف على هدي التجارب الأولى.
«ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل، وقد علم الله أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها وتنحرف أجيال منها، وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة ستصادفها فترات تمثل فترات من حياة بني إسرائيل، فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم، يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته. ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي التي عرفت ثم انحرفت، فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة؛ لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها. وينفض عنها الركام لجدته عليها وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول
مرة. فأما القلوب التي نوديت من قبل فالنداء الثاني لا تكون له جدته ولا تكون له هزته ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته، ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف وإلى الصبر الطويل!» .... الخ.